آســـرار قُيـــدتّ
آســـرار قُيـــدتّ

@Halimo_1

353 تغريدة 10 قراءة May 11, 2020
المستنصر بالله والشدة المستنصرية
المستنصر بالله هو الخليفة الخامس
من خلفاء الدولة العبيدية الفاطمية في مصر
والثامن منذ نشأتها بالمغرب وأشهر أحداث
عصره الشدة المستنصرية أو ما يعرف في
كتب المؤرخين بـ الشدة العظمى
السلام عليكم يتبع 👇👇👇
(1)
الأزمات الاقتصادية والأوبئة في مصر الإسلامية
لا شك أن مصر الإسلامية كانت تتمتع بقسط وافر من الغنى والرخاء حتى إنها كانت في رأي عمرو بن العاص رضي الله عنه تعدل دولة الخلافة بأكملها ونعتها بعض الخلفاء بأنها سلة الخبز كما أنها كانت تعد خزانة أمير المؤمنين
يتبع غدا إن شاء الله
(2)
ان رخاء مصر لم يسلم من بعض الأزمات الاقتصادية التي كانت تقطع حبل ذلك الرخاء من وقت لاخر، وقد أصاب المقدسي إلى حد بعيد حينما قال عن مصر: هذا إقليم إذا أقبل، فلا تسأل عن خصبه ورخصه، وإذا أجدب فنعوذ بالله من قحطه
(3)
وعبارة المقدسي على إيجازها تعبر عن حال مصر أبلغ تعبير إذ بلغت بعض الأزمات الاقتصادية فيها رغم رخائها شوطا بعيدا في حدتها وقسوتها وامتدت لبضع سنين
ولم تقتصر الأزمات الاقتصادية في مصر الإسلامية على فترة من تاريخها دون أخرى بل حدثت هذه الأزمات في كافة عصور تاريخ مصر الإسلامية
(4)
منها عصر الولاة، العصر الطولوني، العصر الإخشيدي، ثم العصر الفاطمي، إلا أن كثرة ما وصل إلينا من أنباء الأزمات الاقتصادية في العصر الفاطمي، قد يوحي للبعض بانطباع خاطئ، مؤداه أن الأزمات الاقتصادية التي وقعت في العصر الفاطمي فاقت كما وكيفا مثيلاتها في العصور السابقة
(5)
وهو الأمر الذي يخالجنا في صحته شك كبير إذ ليس من المعقول أن يشهد العصر الفاطمي الذي يعده الكثيرون العصر الذهبي لمصر الإسلامية من الأزمات الاقتصادية أكثر مما شهدته عصور الولاة والطولونيين والإخشيديين مجتمعة
(6)
وثلاثتها كانت أقل ثراء ورخاء من العصر الفاطمي ومع ذلك فما وصل إلينا عن الأزمات الاقتصادية فيها مجتمعة أقل بكثير مما وصل إلينا عن مثيلاتها في العصر الفاطمي وقد يرجع ذلك للأسباب الاتية:
(7)
أولا: نصب أكثر اهتمام الجغرافيين المسلمين كالخوارزمي واليعقوبي، وابن الفقيه وابن درسته، وابن حوقل والبكري، والشريف الإدريسي وغيرهم ممن تناولوا مصر بالدراسة، على وصف النيل أكثر من اهتمامهم بالأزمات الاقتصادية، أو المجاعات ونوبات الغلاء التي نجمت عن تقاصر فيضان النيل
(8)
ثانيا: لم يكن اهتمام المؤرخين بهذا الصدد بأكثر من اهتمام الجغرافيين، وحتى هؤلاء الذين وقفوا كتاباتهم على مصر ممن يمكن أن نطلق عليهم المدرسة التاريخيةالمصرية حتى هؤلاء لم نحظ منهم بكثير من المعلومات عن الأزمات الاقتصادية التي حدثت في الأعصر السابقة على العصر الفاطمي
(9)
ثالثا (أ) : وإذا كان تقي الدين المقريزي يعد أهم من كتب عن الأزمات الاقتصادية حتى إنه أفرد للكتابة عنها مؤلفه القيم الذي أسماه إغاثة الأمة بكشف الغمة وهو مؤلف تفوق قيمته الكبيرة حجمه الصغير بكثير إلا أن المقريزي يعد متأخرا بالنسبة للفترة التاريخية التي نعنى بالبحث فيها الان
(10)
ثالثا (ب) : لذلك جاءت معلوماته وفيرة عن الأزمات الاقتصادية في العصر الفاطمي، شحيحة عن مثيلاتها في الأعصر السابقة على هذا العصر، وبديهي أن يصدق ما قلنا عن المقريزي على المؤرخين اللاحقين عليه؛ مثل جمال الدين بن تغري بردي، وجلال الدين السيوطي، وغيرهما
(11)
وعلى ذلك، فإننا نعتقد أن الأزمات الاقتصادية التي وقعت في عصور الولاة والطولونيين والإخشيديين تضارع ما وقع منها في العصر الفاطمي، على الرغم من أن المصادر لا تسعفنا في تأكيد هذا الاعتقاد لكننا نستقصي تلك الأزمات الاقتصادية التي حدثت طيلة تاريخ مصر الإسلامية
يتبــــع 👇👇👇👇
(12)
أسباب الأزمات الاقتصادية كانت الأزمات الاقتصادية في مصر الإسلاميةترجع إلى عوامل متنوعة، تنقسم بطبيعتها إلى قسمين رئيسين: عوامل طبيعية، وأخرى بشرية
أولا: العوامل الطبيعية:
(13)
يقصد بالعوامل الطبيعية تلك العوامل التي لم تكن من صنع البشر، وإنما هي محصلة ظروف بيئية لم يكن في استطاعة المصريين في حدود قدراتهم المتاحة في العصر الإسلامي أن يتحكموا فيها، أو يسيطروا عليها، كان منتهى قدرتهم إزاءها أن يخففوا من حدتها، أو يعالجوا بعض اثارها .. ومنها
(14)
1 - فيضان النيل:
يأتي قصور فيضان النيل في مقدمة العوامل الطبيعية المسببة للأزمات الاقتصادية، بل وأشدها خطورة على الإطلاق، فنهر النيل كما هو معروف هو المانح الأول للحياة على ذلك الشريط الاخضر الملاصق لضفتيه على طول مجراه، من أقصى جنوب مصر، حتى مصبه شمالا في البحر المتوسط
(15)
(1_2)
وبعيدا عن الجدل بين من يقول بأن مصر هبة النيل، ومن يقول بأنها هبة المصريين فمما لا شك فيه هو أن اقتصاد مصر الإسلامية كان في المقام الأول اقتصادا زراعيا يعتمد اعتمادا حياتيا على الري من ماء النيل
(16)
(1_3)
يقول القضاعي فيما نقله عنه ياقوت الحموي :ومن عجائب مصر النيل جعله الله لها سقيا يزرع عليه ويستغنى به عن مياه المطر وكان الري في مصر الإسلامية ريا حوضيا يعتمد بصفة أساسية على الفيضان لذلك عني المصريون منذ قديم تاريخهم بحفر الخلجان والترع لضمان الانتفاع بمياه الفيضان
(17)
(1_4)
والخلجان هي أمهات الترع التي تغذي غيرها من الترع الأخرى التي تصغر عنها وكان بعض الخلجان محفورا قبل الفتح الإسلامي ذكر منها في المراجع العربية سبعة خلجان هي: خليج سخا، وخليج دمياط، وخليج منف، وخليج المنهي، وخليج السردوس، وخليج الإسكندرية
(18)
(1_5)
وفي العصر الإسلامي، شقت خلجان أخرى؛ كخليج أبي المنجا الذي أمر بحفره الأفضل بن بدر الجمالي في خلافة المستعلي بالله الفاطمي سنة 506هـ ؛ نزولا على نصيحة أبي المنجا بن شعيا اليهودي، الذي غلب اسمه على الخليج من دون الأفضل
(19)
(1_6)
وكانت السدود تقام على فوهات الخلجان والترع قبل زيادة النيل، وكانت مادتها من الحلفاء والطين ويبنى سد وراء اخر في اتجاه المصب؛ لذلك كان الري يتم على مراحل وأدرك المصريون أهمية الجسور في حفظ مياه الفيضان من التسرب، ولتنظيم عملية الري
(20)
(1_7)
حتى إنهم كثيرا ما أرجعوا قصور النيل إلى فساد تلك الجسور وعدم العناية بها، ويذكر ناصر خسرو الذي زار مصر في خلافة المستنصر بالله الفاطمي: أن المصريين أنشؤوا على الشاطئ من أول الولاية إلى اخرها جسرا من الطين؛ ليسير عليه الناس
(21)
(1_8)
وجدير بالذكر أن نقص مياه النيل لم يكن يؤثر فقط على الري والزراعة، بل كان له أسوأ الأثر على التجارة الداخلية التي كانت تعتمد اعتمادا رئيسا على نهر النيل في نقل البضائع بين أنحاء البلاد؛ إذ كان نقص ماء النيل يعطل سير المراكب
(22)
(1_9)
مثلما حدث في سنة 398هـ التي نقص فيها ماء النيل نقصا فاحشا، وصار النيل على حد تعبير يحي بن سعيد الأنطاكي مخائض تخوضه الدواب فأدى هذا إلى انقطاع سير المراكب في البحر الشرقي من تنيس ومن المحلة وقد كان تعطل المراكب بطبيعة الحال يهدد بغلاء الأسعار في المدن الكبرى
(23)
(1_10)
والتي كانت تعتمد في ميرتها على ما يأتيها من الأقاليم وعلى نشاط التجارة الداخلية يؤكد ذلك ما ورد في بردية من أوراق البردي العربية التي جمعها جروهمان وكانت هذه البردية المفقود أولها موجهة من أولي الأمر إلى صاحب المكس بميدان القمح سنة 91هـ وفيها يحث من وجه تلك الرسالة
(24)
(1_11)
على أن يسرع بإدخال القمح إلى الفسطاط حتى لا يغلو سعره ويخبره أنه أعفى التجار من المكس على القمح تشجيعا لهم على سرعة إدخاله إلى المدينة وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن تعطيل تجارة القمح كان يؤدي إلى غلو الأسعار وحدوث أزمة اقتصادية
(25)
(1_12)
وإجمالا فقد كان فيضان النيل هو العامل الرئيسي وراء حدوث الأزمات الاقتصادية التي كانت تنجم غالبا عن قصور النيل قصورا شديدا أو تحدث أحيانا زيادة النيل زيادة مفرطة، ويمكن القول: إن تلك الأحوال (الظمأ والاستبحار) لم تحدث في مصر إلا قليلا طيلة تاريخ مصر الإسلامية
(26)
طاعون الماشية:
(2_1)
وكان من العوامل الطبيعية المسببة للأزمات الاقتصادية في مصر الإسلامية طاعون الماشية الذي كان يؤدي إلى نفوق كثير من الحيوانات فتنقص أعدادها نقصا فاحشا يضر بالاقتصاد ضررا عظيما إذ تتعطل العمليات الحقلية التي كانت تعتمد على الماشية اعتمادا رئيسا
(27)
(2_2)
وتتناقص اللحوم الحمراء التي كانت الماشية أهم مصادرها، وكان من أسباب نفوق الماشية أيضا: فساد المراعي وقلة الأعلاف؛ نتيجة لزيادة النيل زيادة مفرطة، تصل إلى درجة الاستبحار
(28)
(2_3)
وعندما كانت تتناقص أعداد الماشية يضر باقتصاد البلاد وحفاظا على الثروة الحيوانية كانت تسن القوانين وتفرض القيود على ذبح الإناث منها بل وتمنع ذبح الأبقار السليمة الخالية من العيوب والتي تصلح للحرث
(29)
الافات الزراعية:
(3_1)
كانت الافات الزراعية من العوامل الطبيعية المسببة للأزمات الاقتصادية في مصر الإسلامية، فقد كانت هذه الافات تتلف المحاصيل وتأتي على معظمها وكان من هذه الافات:
(30)
(3_1)
(أ) الفئران:
كانت الفئران تكثر في بعض السنوات بدرجة مخيفة، فتتلف المحاصيل وتهدر جانبا كبيرا منها، ومن ذلك ما ذكره المقريزي، عن سنة 341 هـ أنها كثر فيها الفار وأهلك الغلات والكروم كما ذكر ابن أيبك عن سنة 416هـ أنه فيها أكل الفار زرع مصر حتى أتى عليه
(31)
(3_2)
(أ)
وبطبيعة الحال كان إتلاف المحاصيل يؤدي إلى رفع أسعار المتبقي منها ويظهر الغلاء، وفضلا عن هذا، فقد كانت الفئران تنقل الطاعون وتؤدي إلى تفشيه، فتهلك أعدادا غفيرة من الناس والماشية وتتعطل القوى المنتجة، الأمر الذي كان يضر بالاقتصاد ويساعد على حدوث الأزمات الاقتصادية.
(32)
(3_3)
(ب) الجراد:
الجراد كان يأتي على كل المزروعات مثلما حدث 327هـ التي هجم فيها على مصر جراد لا توصف كثرته حتى منع شعاع الشمس أن يقع على الأرض على حد تعبير ابن البطريق فأتى على الفواكه والنخل حتى خربت البساتين وفى 347هـ شهدت مصر جرادا طبق الدنيا فقضي جميع الغلات والأشجار
(33)
(4_1)
الأوبئة والطواعين:
ومن العوامل الطبيعية الأوبئة والطواعين التي كانت على درجة عالية من الخطورة؛ لما ينجم عنها من هلاك لكثير من أهل البلاد وإهدار للقوى البشرية، فلا تجد الأرض من يزرعها، وتتعطل القوى الإنتاجية في الزراعة والصناعة وغيرها، ويعجز الناس عن العمل
(34)
(4_2)
بل كثيرا ما كانوا يفرون من ديارهم وضياعهم خشية الإصابة بالوباء يذكر ابن إياس نقلا عن المسبحي أنه حدث في سنة 451 هـ فناء عظيم حتى هلك ثلثا أهل مصر وصارت الأرض بائرة لم تزرع من عدم الرجال وكانت الأوبئة والطواعين كثيرة الحدوث لتوفر العوامل المهيأة لحدوثها
(35)
(4_3)
ففضلا عن المجاعات التي كانت تتسبب في موت كثير من الناس وتعذر الدفن السريع مع كثرة الموتى وعدم ارتقاء الطب الوقائي فإن فساد المياه وعفونتها وركودها في الفترة الأخيرة التي تسبق أول الفيضان الجديد كانت تسبب الوباء
(36)
(4_4)
يقول البغدادي في وصف النيل في تلك الفترة الأخيرة : ابتدأ النيل يتحرك بالزيادة وكان قبل ذلك بنحو شهرين قد بدت في مياهه خضرة سلقية ثم كثرت وظهرت في رائحته وفرة كريهة وعفونة طحلبية كأنه عصارة السلق إذا بقي أياما حتى يعفن
(37)
(4_5)
وكان الوباء غالبا ما يبدأ في المدن المزدحمة بالسكان خصوصا الفسطاط لسوء أحوالها الاجتماعية والصحية فقد كانت الفسطاط مدينة مزدحمة بالسكان أشد الازدحام وكانت شوارعها ضيقة وترابها تثيره الأرجل فيسوء بسببه هواؤها فيجعل هذا الهواء المترب عرضة للوباء الذي يتفشى بين الناس
(38)
(4_6)
لذلك كان المياسير من أهل المدينة يهربون إلى الريف من الوباء إذا حل بمدينتهم مثلما فعل عبدالعزيز بن مروان والي مصر في العصر الأموي الذي هرب من الطاعون بالفسطاط إلى ضاحية حلوان سنة 70 هـ
(39)
(4_7)
وجدير بالذكر أن أطباء العصر الإسلامي كانوا يعدون الطاعون وباء إلا أنهم كانوا يميزون بينهما، فعندهم أن الطاعون مادة سمية تحدث بثرا وورما مؤلما وتصيب المناطق الرخوة في الجسم، ويخرج منه لهيب ويسود أو يخضر أو يحمر ما حواليه، ويحصل معه خفقان القلب وقيء
(40)
(4_8)
أما الوباء في رأيهم فهو فساد الهواء ومن ثم يستشري لأنه لا يمكن حياة الكائنات بدون استنشاقه وكان الوباء إذا حل يفزع الناس ويهربون من وجهه فينقلونه من جهة إلى أخرى فيزداد تغشيه ويعم جهات كثيرة ؛ تلك هي العوامل الطبيعية التي كانت تسبب الأزمات الاقتصادية في مصر الإسلامية
(41)
ثانيا: العوامل البشرية:
تلك العوامل التي كانت من صنع البشر والتي كانت تؤدي إلى تفاقم الأزمات الاقتصادية الحقيقية التي تنجم عن العوامل الطبيعية أو تؤدي إلى حدوث أزمـات مفتعلة كانت سرعان ما تزول بزوال المؤثر وتدخل السلطات لإنهاء تلك الأزمات المفتعلة
يتبع غدا إن شاء الله
👇👇👇
(42)
كانت العوامل البشرية عديدة، نستطيع أن نحصي بعضها مما كان له أثر فعال في الأزمات الاقتصادية في مصر وكان العامل النفسي أحد العوامل البشرية الهامة وراء الأزمات الاقتصادية، وقد أشار القضاعي إلى خطورة هذا العامل النفسي حينما قال
(43)
إن فرط الاستشعار يؤدي إلى الاحتكار وغلاء الأسعار ولعل القضاعي يقصد بذلك أن القلق من احتمال عدم وفاء النيل كان يؤدي بالناس إلى تخزين الغلال، ويدفع التجار إلى محاولة احتكارها تحقيقا لمزيد من الربح
(44)
وربما كان المعز لدين الله الفاطمي يريد تخفيف حدة هذا القلق النفسي حينما أمر بعدم النداء بزيادة النيل إلا عند تمامه وقد علل المقريزي هذه الخطوة من جانب المعز بأن الناس دائما إذا توقف النيل في أيام زيادته أو زاد قليلا يقلقون ويحدثون أنفسهم بعدم طلوع النيل
(45)
فيقبضون أيديهم على الغلال ويمتنعون عن بيعها؛ رجاء ارتفاع السعر، ويجتهد من عنده مال في خزن الغلة إما لطلب السعر، أو لطلب ادخار قوت عياله، فيحدث بهذا الغلاء، فإن زاد الماء انحل السعر وإلا كان الجدب والقحط، ففي كتمان الزيادة عن العامة فائدة وأجل عائدة
(46)
وكان هذا القلق النفسي أو الاستشعار يدفع المصريين إلى ملاحظة النيل ملاحظة دقيقة، حتى خرجوا بطرق للاحتمالات ترجح لهم الزيادة أو النقصان، وكانوا يتوارثون هذه الخبرات ويعتدون به
(47)
فقد ورثوا عن القبط المقدمين أنه إذا كان الماء في اثني عشر يوما من مسرى اثني عشر ذراعا، فهي سنة ماؤها ناقص، وإذا تم ستة عشر قبل النوروز فالماء أتم وكانوا يتنبؤون أيضا بفيضان السنة قياسا على حال القاع قبل بدء الفيضان في تلك السنة
(48)
فإذا كان حال القاع أقل من المعتاد، كانت الزيادة في تلك السنة أقل من المعتاد بل وكانوا يربطون بين لون مياه النيل حين ابتداء الفيضان واحتمال زيادته أو نقصانه، ففي رأيهم أنه لا تأتي الخضرة إلا في السنة التي يحترق فيها النيل، وكلما كان احتراقه أشد كان ظهور الخضرة أكثر
(49)
وفي السنة التي يكون نيلها غمرا لا يحترق لا ترى الخضرة وكان لتلاعب التجار بالأسعار أثر خطير في حدوث أزمات اقتصادية مفتعلة كانت تتفاقم ويزداد شرها إذا ما كان الحكام على درجة من الضعف أو سوء السياسة تدعو التجار إلى الاستهانة بهم، وعدم الخوف من بطشهم
(50)
وكانت الفتن والثورات من أشد العوامل البشرية خطورة في حدوث الأزمات الاقتصادية، من ذلك ما أحدثته ثورة محمد بن على الخليجي على الدولة العباسية من اضطراب في مصر
(51)
فقد ذكر أبو المحاسن ابن تغري بردي أن الخليجي رغم نبل قصده وحسن نيته في الانتقام للطولونيين، ولما حل بمصر على يد محمد بن سليمان الكاتب، إلا أنه أفسد أحوال الديار المصرية وتركها خرابا يبابا من كثرة الفتن والمصادرات، ووقع منه أضعاف ما فعله محمد بن سليمان الكاتب
(52)
ومن هذه الثورات:
ثورة أبي ركوة الوليد بن هشام الأموي، الذي خرج بنواحي الفيوم في خلافة الحاكم بأمر الله الفاطمي فاضطربت الأسعار وغلت، وعدم الخبز، وشح الدقيق، وتزاحم الناس على روايا الماء واضطربت الأحوال المالية وارتفع سعر الدراهم
(53)
وتفاقمت الأزمة ولم تنقض إلا بعد تدخل السلطات بالشدة نودي: أي أحد زاد في السعر فقد أوجب على نفسه القتل، فتراجعت الأسعار إلى حدها ؛ كذلك كانت للفتن التي اشتعلت بين المغاربة والسودان في خلافة المستنصر بالله الفاطمي أسوأ الأثر في حدوث الشدة المستنصرية
(54)
ويصف ابن الصيرفي حال مصر وما وقع فيها من فتن حين قدوم أمير الجيوش بدر الجمالي إلى مصر، يقول : وكانت الأحوال يومئذ بالحضرة قد فسدت والأمور قد تغيرت، وطوائف العساكر قد تبعثرت وتخربت، والفتن بينهم قد اتصلت وتأكدت، والوزراء يقنعون بالاسم دون الأمر والنهي
(55)
والرخاء قد أيس منه والصلاح لا يطمع فيه، وولاته قد ملكت الريف والصعيد بأيدي العبيد، والطرقات قد انقطعت برا وبحرا إلا بالخفارة الثقيلة والكلفة الكبيرة، مع ركوب الغرر وشدة الخطر، والمارقون ينوي بعضهم لبعض شدة الاحتيال والغدر، ويضمر كل منهم لصاحبه الاغتيال والبغي
(56)
لذلك كان من الطبيعي أن تتفاقم تلك الأزمة الاقتصادية، وأن تبلغ حدا لم يسبق إدراكه حتى عرفت بالشدة العظمى ؛ وكانت الهجرات الداخلية والخارجية من العوامل التي تزيد في حدة الأزمات الاقتصادية وتؤدي إلى تفاقمها
(57)
فقد كان أهل الريف ينزحون إلى المدن كالفسطاط وغيرها بأعداد كثيرة فاكتظت المدن والسكان ونجم عن ذلك صعوبات في توفير المؤن الكافية لتلك الأعداد الغفيرة لذلك كانت المدن الكبيرة كالفسطاط أسبق النواحي إحساسا بالأزمات الاقتصادية وأكثرها معاناة من أخطارها
(58)
فإذا صحب الغلاء وباء وهو أمر كان كثير الحدوث كانت الخطورة في جلاء الناس عن المدن هربا من الوباء، يذكر ابن عذارى المراكشي عن سنة 307هـ أنه حدث فيها أن غلت الأسعار بمصر وبالعسكر، ووقع الوباء في الناس وجلا كثير منهم وكانوا في هربهم من الوباء يحملونه معهم حينما حلوا
(59)
أما الهجرات الخارجية فكانت لا تخلو هي الأخرى من خطورة في عصر لم يكن يعرف حجرا صحيحا أو يفرض قيودا على انتقال الناس بين الأمصار الإسلامية وقد حدث في سنة 493هـ على سبيل المثال أن وفد على مصر أعداد كبيرة من البلاد الشامية هربا من الفرنج، فعم الوباء البلاد ومات بمصر خلق كثير
(60)
وكانت التغييرات السياسية كسقوط دولة أو وفاة أمير البلاد من الأمور التي كثيرا ما تصحبها أزمات اقتصادية؛ إذ كان خوف الناس من المجهول يدفعهم إلى التخزين فيزيد الطلب عن العرض، ويحدث الغلاء وتعلو الأسعار
(61)
من ذلك ما حدث إبان مرض أحمد بن طولون فقد اضطربت مصر وخرج الناس قاطبة إلى الصحاري وفعلوا مثلما يفعلون في الاستسقاء فخرج الناس حفاة وعلى رؤوسهم الألواح وخرج الأطفال من المكاتب وعلى رؤوسهم الألواح وخرج العلماء والصلحاء وهم يدعون الله تعالى له بالعافية والشفاء
(62)
وإن كان ذلك من ناحية دليلا على محبة الناس لابن طولون فإنه من ناحية أخرى يظهر قلقهم وخوفهم من المجهول الذي سيلم بهم من بعده وصاحب سقوط الدولة الإخشيدية أزمة اقتصادية لم تنته إلا بعدعامين من دخول جوهر الصقلي إلى مصر وهكذا كانت التغييرات السياسية مصحوبة بأزمات اقتصادية
(63)
بل إن التغييرات الإدارية المفاجئة في المناصب الهامة كالوزارة كانت تؤدي إلى اضطراب أحوال الناس، وعادة ما يصحبها أزمات اقتصادية، فقد أدت ولاية العزيز على يعقوب بن كلس سنة 372هـ إلى اضطراب الناس وإغلاق أسواق المدينة
(64)
وكان التلاعب في النقود وتزييف العملة يؤدي عادة إلى أزمات مالية واقتصادية خطيرة، مثال ذلك ما فعله جوهر الصقلي سنة 359هـ للقضاء على ما يسمى بالدينار الأبيض، وكانت قيمته عشرة دراهم، فجعل جوهر قيمته ستة دراهم فتلف وافتقر خلق
(65)
وفي سنة 397هـ في خلافة الحاكم بأمر الله هبطت قيمة الدراهم حتى وصل سعر الدينار أربعة وثلاثين درهما فارتفع السعر وزاد اضطراب الناس فتدخل الخليفة لإصلاح النقد ومنع التعامل بالدراهم، وضربت دراهم جددا كان يدفع في كل منها أربعة دراهم من الدراهم القطع والمزايدة فشق ذلك على الناس
(66)
وكانت المدن الكبيرة تتعرض لحرائق كبيرة كان ينجم عنها مشاكل اقتصادية ففي سنة 343هـ في عهد كافور الإخشيدي وقع حريق كبير بمصر (الفسطاط) في سوق البزازين وقيسارية العسل، ودخل الليل والنار على حالها لم تتغير، وبات الناس على خطر عظيم
(67)
فنادى كافور من جاء بقربة أو كوز فله درهم فكان مبلغ ما صرفه في تقدير الإسحاقي عشرة الاف درهم وكان جملة ما احترق ألف وسبعمائة دار بل أكثر من ذلك روى ابن عذارى أن الحجاج الذين عادوا إلى المغرب في هذا العام ذكروا أن حريقا وقع بالفسطاط واحترق فيه ستة عشر ألفا بين دار ومسكن
(68)
تلك هي العوامل البشرية التي كانت تؤدي إلى الأزمات الاقتصادية في مصر الإسلامية، ولا شك أن الأزمات التي كانت تنجم عنها أزمات غير حقيقية، بل كان يفتعلها البعض لتحقيق أرباح طائلة من ورائها، مستفيدين من اضطراب الناس وقلقهم وخوفهم من المجهول
(69)
وكان يكفي أن تتدخل الدولة في حزم لتقضي على مثل هذه الأزمات المفتعلة لكن الحكام لم يكونوا جميعا أكفاء بل كان فيهم من لا يقدر على حسم الأمور فيكون ضررهم أكثر من نفعهم ويكفي أن نشير إلى أحد هؤلاء الحكام غير الأكفاء لنرى أي ضرر كانوا يلحقونه بالبلاد
(70)
ذكر ابن تغري بردي أن هلال بن بدر تولى على مصر من قبل العباسيين، فكثر القتل والنهب وفشا الفساد وقطع الطريق بالديار المصرية، فعظم ذلك على أهل مصر لاسيما الرعية فكانت أيامه على مصر شر أيام، ولما تفاقم الأمر عزله الخليفة المقتدر بالله العباسي عن إمرة مصر
نستكمل غدا ان شاء الله
(71)
الأزمات الاقتصادية في عصر الولاة
يعد عصر الولاة في مصر الإسلامية ظاهرة فريدة بين عصور الولاة في سائر الأمصار الإسلامية، فلقد امتد هذا العصر في مصر لنحو قرنين وثلث قرن (21 هـ - 254هـ)
وهو امتداد لا نجد مثيلا له في التاريخ الإسلامي
(72)
كان حد وفاء النيل في مصر الإسلامية طيلة عصر الولاة ستة عشر ذراعا وكان حد الكفاية أربعة عشر ذراعا أما النهاية المخوفة في الزيادة فكانت ثمانية عشر ذراعا ومن الطبيعي أن يوجد تفاوت نسبي في تلك التقديرات بين أول عصر الولاة وبين نهايته
(73)
فإذا كان الناس يرتاعون مخافة الاستبحار لبلوغ النيل ثمانية عشر ذراعا في القرن الأول الهجري، فإن بلوغ هذا الذرع بات لا يخيفهم كثيرا في مطلع القرن الثالث الهجري بطبيعة الحال
(74)
وإذا طالعنا مقادير الفيضان التي جاد بها النيل في عصر الولاة، لا نجدها قد تجاوزت النهايتين المخوفتين في الزيادة أو النقصان إلا مرات قلائل، فنجده في سنة 28هـ قد بلغ تسعة عشر ذراعا، وهذا يعني استبحار الأرض على نحو يؤدي إلى أزمة اقتصادية
(75)
وفي سنة 86 هـ توقف النيل عند ثلاثة عشر ذراعا وثمانية عشر أصبعا، فحصل بمصر في العام التالي شراقي وغلت الأسعار وفي سنة 152هـ توقف النيل عند اثني عشر ذراعا وستة عشر أصبعا وقيل:إنه لم يتجاوز سنة 197هـ تسعة أذرع وإحدى وعشرين أصبعا
(76)
وفيما عدا ذلك لا نجد النيل في عصر الولاة قد أخل بعادته في الوفاء باحتياجات البلاد من الماء، أو هددها بالاستبحار، ولعل ذلك كان السبب الرئيس في استقرار الأحوال الاقتصادية في مصر حينذاك، إلا أننا نستطيع أن نحصي عددا من الهزات الاقتصادية التي تعرض لها ذلك العصر
(77)
في ولاية عبدالله بن سعد بن أبي سرح وقعت فيما نعتقد بعض الهزات الاقتصادية لم تقتصر فقط على استبحار الأرض سنة 28 هـ وإنما تشير الدلائل إلى أن ابن أبي السرح قد أخمل شؤون الري فقد جبى مصر بزيادة ألفي ألف دينار عما جباه سلفه عمرو بن العاص
(78)
وترجع الروايات تلك الزيادة إلى أن عبدالله بن سعد زاد في الخراج ونقص في المؤن فأضر على حد قول عمرو بن العاص لعثمان بن عفان رضوان الله عليهم بالفصيل إذ إن جباية عبدالله بن سعد الزائدة وإمهاله الري أضر بالسنوات التالية فتناقصت فيها الجباية
(79)
وينفرد ساويرس بن المقفع بذكر أنه حدث على عهد عبدالله بن سعد غلاء لم يحدث مثله من زمن قلوديوس وإلى أيامه فسار كل من في الصعيد إلى الريف في طلب الغلة وكان الناس مطاريح في الأزقة والأسواق أمواتا مثل السمك المدمس على حد قوله على برك الماء وكان يموت في كل يوم عدد كبير
(80)
ومع أن ابن المقفع لم يحدد سنة هذا الغلاء إلا أنها كانت على الأرجح سنة 28هـ المذكورة والتي استبحرت فيها الأرض لأنه ذكر سوء حالة الصعيد أكثر من غيره وكان هذا ما يحدث في حالات الاستبحار التي تتأثر بها أعالي البلاد أكثر من أسافلها
(81)
ويبدو أن هذه الضائقة الاقتصادية التي حلت بالمصريين في هذا العام كانت سببا في سخط المصريين على عبدالله بن سعد بن أبي سرح وجعلتهم أكثر قبولا لأقوال مثيري الفتنة على نحو كان له فيما بعد خطورة كبيرة
يتبع غدا ان شاء الله
(82)
في سنة 78هـ ، غار نيل مصر فلم يبق منه شيء فغلت الأسعار وفي سنة 87 هـ في ولاية عبدالله بن عبدالملك بن مروان، وقع بمصر غلاء عظيم بسبب قصور النيل في السنة السابقة، فلم يتجاوز ثلاثة عشر ذراعا وثمانية عشر أصبعا؛ أي: إنه لم يبلغ حد الكفاية، ناهيك عن حد الوفاء
(83)
ويبدو أن هذا الغلاء كان شديدا جدا، حتى إن كلا من الكندي والمقريزي يعده أول شدة راها المصريون في العصر الإسلامي، فتشاءم الناس بعبدالله بن عبدالملك بن مروان، وأرجفوا بالأقاويل وأشاعوا عنه الرشوة وأسموه مكيسا، فلم يجد عبدالله مفرا إلا الرحيل من مصر، فرحل عنها في صفر سنة 88هـ
(84)
وفي سنة 96 هـ حدث غلاء عظيم مات بسببه خلق كثير أكثر مما يموت في الوباءوكان ذلك بسبب سوء سياسة عامل الخراج أسامة بن زيد التنوخي،الذي تولى خراج مصر في هذا العام وكتب إليه الخليفة الأموي سليمان بن عبدالملك: أن احلب الدر حتى ينقطع ثم احلب الدم حتى ينصرم، فأصابت أهل مصر شدة عظيمة
(85)
وفي سنة 108 هـ في ولاية حفص بن الوليد على مصر من قبل هشام بن عبدالملك، حدث بمصر قحط شديد فاستسقى حفص بالناس وفي سنة 133هـ في ولاية أبي عون أول عصر العباسيين، لم يصل النيل إلى حد الوفاء فصلى الناس صلاة الاستسقاء، وخرج في ذلك المسلمون واليهود والنصارى من أهل الفسطاط والجيزة
(86)
أما عن الأوبئة في عصر الولاة:
فقد تعرض هذا العصر لعدد منها، ففي سنة 66 هـ وقع الطاعون بمصر ومات فيه خلق عظيم وفي سنة 70 هـ وقع طاعون اخر ووباء بمصر في ولاية عبدالعزيز بن مروان، فخرج عبدالعزيز عن الفسطاط هاربا إلى حلوان التي أعجبته، فاتخذها سكنا وجعل بها الحرس والشرط والأعوان
(87)
وإذا كان عبدالعزيز بن مروان قد هرب من وباء فقد كان قدره أن يلقى حتفه في وباء اخر نزل بالفسطاط أيضا سنة 85 هـ وفي سنة 90هـ في ولاية قرة بن شريك نزل بالبلاد وباء عظيم، وصار الموتى كل يوم لا يعرف عددهم
(88)
وفي سنة 105هـ في ولاية محمد بن عبدالملك من قبل أخيه هشام وقع بمصر وباء شديد فهرب منه محمد بن عبدالملك إلى الصعيدلكنه عاد بعد بضعة أيام إلى الفسطاط ليخرج عن مصر نهائيا لم يلها إلا نحوا من شهر وفي ولاية أبي عون بن عبدالملك، في سنة 133 هـ تبع الغلاء وباء شديد فهرب إلى دمياط
(89)
وقد سبق القول أن الأوبئة والطواعين كانت تؤدي إلى أزمات اقتصادية، إذ كانت تعطل القوى الإنتاجية وتهدد القوى البشرية، فلا تجد الأرض من يزرعها، فتقل الغلات ويحدث الغلاء وإجمالا، يمكن القول إن عصر الولاة لم يخل من الأزمات الاقتصادية التي سببتها عوامل طبيعية أو بشرية
(90)
لكن ما وصلنا من تلك الأزمات أقل بكثير من المتوقع، ولا يتناسب مع تلك الحقبة الطويلة، كما أن الأزمات التي أشير إليها جاء ما كتب عنها مقتضبا وبغير تفاصيل، وهو الأمر الذي يكاد يوحي بأن عصر الولاة في مصر الإسلامية كان شبه مستقر من الناحية الاقتصادية
(91)
الأزمات الاقتصادية في عصر الطولونيين والإخشيديين
تكاد جمهرة المؤرخين تجمع على أن العصر الطولوني (254هـ - 292هـ) كان عصر رخاء وازدهار اقتصادي لم تشهد مصر الإسلامية مثيلا له طيلة عصر الولاة، ويمكننا أن نرجع ذلك الرخاء الذي شهده العصر الطولوني إلى عدة أسباب، منها:
(92)
1- استقلال الطولونيين الذاتي، هذا الاستقلال الذي مكنهم من الاحتفاظ بمعظم الأموال التي كانت ترسل إلى دار الخلافة، فلم يعد الطولونيون يرسلون منها إلا مبالغ رمزية، وأنفقوا أكثرها في داخل مصر للنهوض بشتى نواحي النشاط فيها، ومن بينها النشاط الاقتصادي
(93)
2- إصلاحات أحمد بن طولون الاقتصادية، تلك الإصلاحات التي قامت على إصلاح الجباية والكف عن المظالم بأنواعها من ناحية، والنهوض بالزراعة والصناعة والتجارة من ناحية أخرى
(94)
3-امتلاك مصر لرصيد كبير من الذهب توفر لها في العصر الطولوني من موارد ثلاثة: ذهب النوبة وتجارة العبور ودفائن الفراعنة تلك الدفائن التي كانت تسمى المطالب وكان البحث عنها قد نشط في العصر الطولوني حتى إن أحمد بن طولون سن مرسوما لتنظيم التنقيب عنها وأخضع هذا التنقيب للإشراف
(95)
5- استقرار أحوال الفيضان في العصر الطولوني فقد شهد هذا العصر تسعة وثلاثين فيضانا، أوفى النيل في ستة وثلاثين منها ولم ينخفض منسوب المياه عن حد الوفاء إلا في ثلاث سنوات (274هـ، 282هـ، 290هـ)؛لكنه لم يتقاصر أبدا عن حد الكفاية إلا مرة واحدة (سنة 290هـ)
#السيسي_العميل_باع_النيل
(96)
لم يزد النيل عن ثمانية عشر ذراعا طيلة العصر الطولوني، فلم تتهدد البلاد بالاستبحار أبدا في هذا العصر، ومعنى هذا كله أن النيل لم يتسبب في أية أزمة اقتصادية حقيقية طوال العصر الطولوني إلا في سنة 290هـ، قبيل سقوط الدولة الطولونية بعامين فقط.
#السيسي_العميل_باع_النيل
(97)
وقد دفعت حالة الرخاء التي شهدها العصر الطولوني بعض المؤرخين إلى الاعتقاد بأن هذا العصر كان خاليا من الأزمات الاقتصادية إلا أن هذا العصر لم يكن خاليا تماما من تلك الأزمات وان كانت الشواهد تؤكد أنه كان أقل عصور تاريخ مصر تعرضا للأزمات الاقتصادية
#السيسي_العميل_باع_النيل
(98)
فلم يشهد منها إلا أقلها كما وكيفا، على نحو يجعله يباهي بقية أعصر التاريخ المصري الإسلامي، ويتبوأ بينها مكانة مرموقة من الناحية الاقتصادية وإذا أردنا أن نستعرض تلك الأزمات الاقتصادية القليلة التي شهدها العصر الطولوني، فلن نجد لها في المصادر وصفا شافيا
(99)
فلم تحدث في حياة أحمد بن طولون أزمات اقتصادية على الإطلاق إلا أن مرضه الأخير أحدث اضطرابا في مصر؛ إذ تخوف الناس من احتمالات ما بعد وفاته، خصوصا وأن ولي عهده خمارويه كان لا يزال حينئذ صغير السن، أخضر العود، قليل التجربة، فاضطربت مصر لمرض ابن طولون
#السيسي_العميل_باع_النيل
(100)
وخرج الناس قاطبة إلى الصحاري وفعلوا مثل ما يفعلون في الاستسقاء فخرج الناس حفاة وعلى رؤوسهم المصاحف وخرج اليهود وعلى رؤوسهم التوراة وخرج النصارى وعلى رؤوسهم الأناجيل وخرج الأطفال من المكاتب وعلى رؤوسهم الألواح وخرج العلماء والصلحاء وهم يدعون الله تعالى له بالعافية والشفاء
(101)
على الرغم من هذا الخوف من المجهول فإن المصادرلم تحدثنا عن وقوع أزمة اقتصادية عند وفاة أحمد بن طولون ويرجع هذا بالدرجة الأولى إلى قوة الاقتصاد المصري حينذاك نتيجة لتلك السياسة الاقتصادية الرشيدة التي انتهجها أحمدبن طولون في حياته
#السيسي_العميل_باع_النيل
يتيع غدا ان شاء الله
(102)
في عهد خمارويه في سنة 273 هـ وقعت بمصر رجفة عظيمة سقطت فيها دور كثيرة ومات خلق كثير، فاضطرب الناس ونتج عن اضطرابهم أزمة اقتصادية بلغ فيها سعر مد القمح دينارا على حد تقدير ابن البطريق فمات الناس من الجهد والجوع حتى كانوا يأكلون بذر الكتان، حتى امتلأت أسواق مصر موتى
(103)
وكانوا يحملونهم على الجمال، على كل جمل ثمانية موتى، ويحفرون لهم حفرة عظيمة ويلقونهم فيها وفي سنة 278 هـ ، يذكر أبو المحاسن نقلا عن بعض المؤرخين: أن نيل مصر غار في هذه السنة حتى لم يبق منه شيء، فغلت الأسعار في هذه السنة بمصر وقراها
(104)
ويبدو أن النيل كان قد بلغ حد الوفاء في هذه السنة ثم نقصت مياهه في سرعة مفاجئة قبل أن تستوفي الأرض حاجتها من مياهه، فهذا هو معنى عبارة "غار حتى لم يبق منه شيء"، وتلك ظاهرة حدثت في بعض السنوات الأخريات
(105)
وفي سنة 290 هـ تقاصر فيضان النيل فلم يبلغ حد الكفاية، ويبدو أن الأزمة كانت قد بدأت بحدوث بعض الظواهر الكونية التي لم يعتدها الناس، إذ تكاثرت الشهب في الجو مما أدى إلى تخوف الناس واضطرابهم، وتذكروا رجفة سنة 273 هـ
(106)
ثم تفاقم الأمر بتقاصر النيل فلم يبلغ حد الكفاية كما ذكرت فظمئ الناس وخرجوا جميعا للاستسقاء مسلموهم ويهودهم ونصاراهم لكن الماء لم يزد وانتهى موسم الفيضان دون أدنى زيادة، فتفاقمت الأزمة الاقتصادية وامتدت مضاعفاتها واثارها إلى سنوات لاحقة
(107)
وعلى حد تعبير البغدادي:اضطرب الناس اضطرابا زالت به دولة الطولوني من مصر وبما أن الدولة الطولونية قد سقطت في سنة 292هـ فمعنى ذلك أن أزمة 290هـ الاقتصادية امتدت عواقبها الوخيمة نحو ثلاث سنوات ساعد على ذلك اضطراب أحوال الطولونيين السياسية في أواخر أيامهم وتعرضهم للغزو العباسي
(108)
وبعد سقوط الدولة الطولونية عادت مصر للتبعية المباشرة للخلافة العباسية، وظلت على ذلك ثلاثة عقود ونيفا قبل أن تستعيد استقلالها على يد الإخشيديين، وكانت هذه الفترة الانتقالية بين الطولونيين والإخشيديين فترة قلاقل سياسية، ابتدأت بثورة محمد بن على الخليجي على الحكم العباسي
(109)
وشهدت كثرة في تغيير الولاة لم يحدث مثيل لها من قبل في عصر الولاة قبل الطولونيين؛ إذ يبدو أن دولة الخلافة العباسية باتت تخشى تكرار التجربة الاستقلالية التي قام بها الطولونيون، فكانت الخلافة إذا أحست ميل المصريين إلى أحد الولاة، سارعت بعزله مثلما فعلت مع أبي منصور تكين
(110)
الذي أعيد لولاية مصر أكثر من مرة كان يعقب كلا منها العزل بمجرد انتفاء الضرورة من توليته، وفضلا عن هذا، فقد تعرضت مصر لضغط فاطمي من جهة الغرب فقد تطلع الفاطميون منذ أن نجحوا في إقامة دولتهم في المغرب إلى مصر ووجهوا إليها عدة حملات كانت تثير الاضطراب في البلاد
(111)
وإن كانت قد باءت جميعها في تلك الفترة بالفشل ولم ينجح الفاطميون في مسعاهم إلا في نهاية العصر الإخشيدي وعلى ذلك؛ فقد كانت مصر في تلك الفترة الانتقالية تعاني اضطرابا سياسيا، كان له بلا ريب صدى في أحوالها الاقتصادية آنذاك...
يتبع غدا ان شاء الله
(𝟭𝟭𝟮)
وعلى ذلك فقد كانت مصر في تلك الفترة الانتقالية تعاني اضطرابا سياسيا كان له بلا ريب صدى في أحوالها الاقتصادية انذاك وأدى إلى حدوث بعض الأزمات الاقتصادية التي لم يكن لها سبب طبيعي وإنما كانت نتائج عوامل بشرية
(𝟭𝟭𝟯)
وكان من حسن طالع البلاد أنها لم تتعرض طوال تلك الفترة القلقة من تاريخها لأي تقاصر في فيضان النيل، وإلا لأحدث أدنى قصور في مياه النيل عواقب وخيمة في ظل تلك الظروف السياسية المتردية
(𝟭𝟭𝟰)
غير أن هذه الفترة التي تقارب في مدتها كلا من العصرين الطولوني والإخشيدي تكاد أن تكون خالية من الأزمة الاقتصادية على ذلك النحو الذي تميز به العصر الطولوني دون غيره من أعصر تاريخ مصر الإسلامية
(𝟭𝟭𝟱)
فعن هذه الفترة، لم تصل إلينا إلا أنباء قليلة عن أزمات محدودة، بدأت بما خلفته ثورة محمد بن علي الخليجي من اثار، فقد ذكر أبو المحاسن أنه ترك البلاد خرابا يبابا على غير ما كان يقصد
(𝟭𝟭𝟲)
إذ إنه ثار على العباسيين انتقاما لتنكيل محمد بن سليمان الكاتب بال طولون وسخطا على ما أحدثه من إفساد بمصر، لكن الخليجي وقع منه أضعاف ما أحدثه محمد بن سليمان الكاتب من إفساد
(𝟭𝟭𝟳)
ذكر ابن عذارى المراكشي أنه في سنة 𝟯𝟬𝟳هـ كان بافريقية وما والاها إلى مصر طاعون شديد وغلاء سعر، وأنه في تلك السنة المذكورة دخل جند الفاطميين الإسكندرية في غفلة من أهلها وانتهبوا أموالهم، فاضطربت البلاد لذلك وغلت الأسعار بمصر وبالعسكر، ووقع الوباء في الناس وجلا كثير منهم
(𝟭𝟭𝟴)
ويبدو أن البلاد قد تعرضت لأزمة اقتصادية في ولاية هلال بن بدر الذي تولى على مصر نحو عامين 309هـ -311 هـ فقد ذكر أبو المحاسن أنه أقام على إمرة مصر وأحوالها مضطربة وكثر القتل والنهب في الناس،وفشا الفساد وقطع الطريق بالديار المصرية فعظم ذلك على الرعية وضعف هلال عن إلاصلاح
(119)
فصار كلما سد أمرا انخرق عليه اخر، فكانت أيامه على مصر شر أيام، فلما تفاقم الأمر عزله الخليفة المقتدر بالله وفي سنة 317 هـ وقع بمصر من الجراد ما لا يوصف كثرته حتى منع شعاع الشمس أن تقع على الأرض، فأكل الكروم وجميع الفواكه والنخل والأقراط، حتى خربت البساتين والكروم
(120)
ثم بدأ العصر الإخشيدي بدخول محمد بن طغج الإخشيد الفسطاط في سنة 323هـ
واستمر حكم الإخشيدي إحدى وعشرين عاما حتى سنة 344هـ لم يتقاصر النيل في انائها ولم يشر أحد من المؤرخين إلى حدوث أزمات اقتصادية على عهده إلا يحيى بن سعيد الإنطاكي
(121)
الذي انفرد بذكر أنه في سنة 329هـ حدث بمصر غلاء عظيم في هذه السنة، وعز القمح وسائر الحبوب وعدم البتة، ولحق الناس شدة شديدة، وتبعه وباء عظيم ولم يزل إلى أن دخلت الغلة الجديدة ويبدو أن هذا الغلاء كان نتيجة تلاعب في الأسعار، فلم تشر تقويمات النيل إلى حدوث قصور في الفيضان
(122)
كما أن هذا الغلاء انتهى بدخول الغلة الجديدة، وكانت العادة في الأزمات الحقيقية التي تحدث عن قصور النيل أن يمتد أثرها إلى العام اللاحق، وربما كان هذا الغلاء الذي حدث في مصر امتدادا لموجة غلاء عامة اجتاحت عددا من الأمصار الإسلامية في ذلك العام،
(123)
فقد ذكر الإنطاكي نفسه أنه حدث أيضا ببغداد في ذلك العام غلاء شديد، وأكل الناس بها النخالة والحشيش وكثر الموت وفي عهد أبي القاسم أنوجور بن الإخشيد بدأت الأحوال الاقتصادية في التدهور فوقع غلاء في أول سنة 328 هـ فثارت الرعية حتى إنهم منعوا أنوجور من صلاة العتمة (العشاء )
(123)
ثم وقع اخر في عهد أنوجور في سنة 341 هـ كان سببه في البداية كثرة الفار في أعمال مصر، فأتلف الغلات والكروم وغيرها ثم تفاقم الأمر بسبب قصور النيل فنزع السعر في شهر رمضان، واستمر الغلاء وتعاظم أمره في سنة 343 هـ حتى بيع القمح كل ويبتين ونصف بدينار ثم طلب فلم يوجد
(124)
ويبدو أن أزمة اقتصادية محدودة حدثت في سنة 347هـ إذ يذكر أبو المحاسن أنه جاء جراد طبق الدنيا فأتى على جميع الغلات والأشجار ويحدث عادة في مثل هذه الحالة قلة في العرض عن الطلب فتغلو الأسعار
(125)
ثم يذكر أبو المحاسن أيضا: أنه في عهد علي بن الإخشيد، في سنة 349 هـ وقع بمصر الغلاء واضطربت أمور الديار المصرية والإسكندرية بسبب المغاربة أعوان الخلفاء الفاطميين الواردين إليها من المغرب، وتزايد الغلاء وعز وجود القمح
(126)
وذكر ابن إياس عن غلاء ذلك العام نفسه، لكن يبدو أن الأمر اختلط عليه إذ يقول: "أما أبو القاسم علي، فإنه تولى على مصر في سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة، وفي أيامه وقع الغلاء بمصر واستمر تسع سنين متوالية؛ وسبب ذلك أن النيل كان ينتهي في زيادته إلى خمسة عشر ذراعا وأربعة عشر أصبعا
(127)
واستمر في كل سنة يزيد هذه الزيادة الخسيسة إلى سنة تسع وأربعين وثلاثمائة، فوقع الغلاء بسبب ذلك في هذه السنين" ويتضح في عبارة ابن إياس أنه يخلط خلطا شديدا بين بضعة أمور، فهو يذكر أبا القاسم "علي" وهذا خطأ؛ إذ إنه يقصد بطبيعة الحال أبا القاسم أنوجور
(128)
لأنه ذكر تاريخا أقرب لسنة توليه الإمارة، فضلا عن أن علي بن الإخشيد كان يلقب أبا الحسن وليس أبا القاسم، وربما جاء الخلط من أن سنة 349 هـ التي ذكرها ابن إياس نهاية للغلاء كانت هي سنة وفاة أبي القاسم أنوجور، وتولي أبي الحسن علي من بعده
(129)
واختلط على ابن إياس حينما حدد مدة الغلاء بتسع سنين، وذلك أمر لم يحدث في تلك الفترة على الإطلاق، وإنما حدث بعد ذلك ببضع سنوات في أواخر الدولة الإخشيدية، وعلى وجه التحديد منذ سنة 352 هـ على حد رواية المقريزي
(130)
كانت تلك الأزمة الاقتصادية التي بدأت في سنة 352 هـ أطول وأخطر أزمة اقتصادية في الدولة الإخشيدية على الإطلاق كان السبب الرئيس في حدوثها قصور النيل واستمرت تسع سنوات متتابعة بل إنها كانت تتفاقم من سنة لأخرى
يتبع غدا ان شاء الله
(131)
وأهم نص ورد إلينا عن هذه الأزمة الخطيرة ضمنه المقريزي كتابه "إغاثة الأمة بكشف الغمة" وفيه يقول: "ثم وقع الغلاء في الدولة الإخشيدية أيضا واستمر تسع سنين متتابعة وابتداء في سنة أثنتين وخمسين وثلاثمائة
(132)
وكان سبب الغلاء أن ماء النيل انتهت زيادته إلى خمسة عشر ذراعا وأربع أصابع فنزع السعر بعد رخص، فما كان بدينار واحد صار بثلاثة دنانير، وعز الخبز فلم يوجد، وزاد الغلاء حتى بلغ القمح كل ويبتين بدينار، وقصر مد النيل في سنة ثلاث وخمسين، فلم يبلغ سوى خمسة عشر ذراعا وأربعة أصابع
(133)
واضطرب فزاد مرة ونقص أخرى حتى صار في النصف من شهر بابه إلى قريب من ثلاثة عشر ذراعا، ثم زاد قليلا وانحط سريعا، فعظم الغلاء وانتقضت الأعمال لكثرة الفتن، ونهبت الضياع والغلات، وماج الناس في مصر بسبب السعر
(134)
فدخلوا الجامع العتيق بالفسطاط في يوم جمعة وازدحموا عند المحراب، فمات رجل وامرأة في الزحام ولم تصل الجمعة يومئذ وفي سنة خمس وخمسين، كان مبلغ الزيادة أربعة عشر ذراعا وأصابع، وقصر مده وقلت جريته، وفي سنة ست وخمسين لم يبلغ النيل سوى اثني عشر ذراعا وأصابع
(135)
ولم يقع مثل ذلك في الملة الإسلامية، وكان على إمرة مصر حينئذ كافور الإخشيدي، فعظم الأمر من شدة الغلاء ثم مات كافور فكثر الاضطراب وتعددت الفتن، وكانت حروب كثيرة بين الجند والأمراء قتل فيها خلق كثير، وانتهبت أسواق البلد وأحرقت مواضع عديدة، فاشتد خوف الناس وضاعت أموالهم
(136)
وتغيرت نياتهم وارتفع السعر وتعذر وجود الأقوات، حتى بيع القمح كل ويبة بدينار، واختلف العسكر، فلحق الكثير منهم بالحسن بن عبدالله بن طغج وهو يومئذ بالرملة، وكاتب الكثير منهم المعز لدين الله الفاطمي
(137)
وعظم الإرجاف بمسير القرامطة إلى مصر، وتواترت الأخبار بمجيء عساكر المعز من المغرب، إلى أن دخلت سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، ودخل القائد جوهر بعساكر الإمام المعز لدين الله، وبنى القاهرة المعزية وكان مما نظر فيه أمر الأسعار
(138)
فضرب جماعة من الطحانين وطيف بهم، وجمع سماسرة الغلات بمكان واحد، وتقدم ألا تباع الغلات إلا هناك فقط، ولم يجعل لمكان البيع غير طريق واحد، فكان لا يخرج قدح قمح إلا ويقف عليه سليمان بن عزة المحتسب
(139)
واستمر الغلاء حتى عام 360 هـ واشتد الوباء وفشت الأمراض وكثر الموت حتى عجز الناس عن تكفين الأموات ودفنهم، فكان من مات يطرح في النيل، فلما دخلت سنة 361هـ انحل السعر فيها، وأخصبت الأرض ونستخلص من نص المقريزي في ضوء بعض المصادر الأخرى عدة حقائق منها:
يتبع غدا ان شاء الله
(140)
(1-1)
بدأت الأزمة الاقتصادية سنة 352 هـ بسبب قصور النيل الذي لم يتجاوز خمسة عشر ذراعا وأربعة أصابع، ومع أن النيل لم يصل بهذا إلى حد الوفاء الذي نعتقد أنه تزايد حينذاك إلى سبعة عشر ذراعا، وتزايد بالتبعية حد الكفاية إلى خمسة عشر ذراعا
#خدوا_السيسي_وادونا_مروحه
(141)
(1_2)
فإن النيل في هذه السنة يكون قد تجاوز حد الكفاية الذي لا تقحط معه البلاد بأربعة أصابع، وهذا يعني أن الأزمة لم تكن مستحكمة إلا أن السعر ارتفع في سرعة أو نزع على حد قول المقريزي ووصل إلى ثلاثة أضعاف ما كان عليه
#خدوا_السيسي_وادونا_مروحه
(142)
(1_3)
ولم يقف الغلاء عند ذلك الحد؛ بل تزايد حتى اختفى الخبز ووصل سعر القمح ثلاثة دنانير للأردب إذ بيع كل ويبتين بدينار، ويبدو أن تزايد حدة الأزمة على ذلك النحو كان بسبب اضطراب أحوال الإخشيديين السياسية، وتعرضهم لضغوط خارجية من الشرق ومن المغرب
#خدوا_السيسي_وادونا_مروحه
(143)
(1_4)
يذكر أبو المحاسن: "قدم القرمطي إلى الشام في سنة 352 هـ، ووقع له بها أمور وعجز المصريون عن دفعه عنها؛ لشغلهم بالغلاء والمغاربة والفاطميين.
#خدوا_السيسي_وادونا_مروحه
(144)
(1-2) استمرت الأزمة في سنة 353 هـ، إذ لم يزد النيل فيها عن سابقتها، بل إنه كان فيها أكثر اضطرابا ونقص في سرعة، حتى إنه صار في النصف من شهر بابه إلى قريب من ثلاثة عشر ذراعا، على غير ما يكون عليه الحال في سنوات وفاء النيل وانتظامه
#خدوا_السيسي_وادونا_مروحه
(145)
(2_2)
ففي السنوات التي يحسن فيها الفيضان يكون كمال زيادته في الثامن من بابه، ولا يأخذ في النقص إلا في العشرين منه ويحدث التناقص تدريجيا فتستوفي الأرض حاجاتها من المياه
#خدوا_السيسي_وادونا_مروحه
(146)
(2_3)
إلا أن اضطراب النيل وانحطاطه السريع في تلك السنة حال دون استيفاء الأرض لاحتياجاتها من المياه، فاشتدت الأزمة وارتفعت الأسعار أكثر، ووهنت ضياع مصر وقراها، وعظم الغلاء وكثرت الفتن وتعطلت الأعمال وتدافعوا الى الجامع العتيق ووطئت الأقدام بعضهم من الزحام وتعطلت صلاة الجمعة
(147)
(1-3)
تمادى الغلاء إلى سنتي 354هـ - 355 هـ لم يصل النيل فيهما إلى حد الكفاية، ناهيك عن حد الوفاء، وزاد في سوء الأوضاع تعرض الصعيد لهجمات النوبة، التي وصلت حتى أخميم، قبليها وبحريها من ناحية
(148)
(3_2)
ومن ناحية أخرى فساد ما بين أبي الحسن علي بن الإخشيد صاحب مصر وبين كافور الإخشيدي مدبر مملكته، حتى منع كافور الناس من الاجتماع به، ولم يحسم الخلاف إلا وفاة أبي الحسن علي معتلا في سنة 355 هـ، فانفرد كافور بحكم مصر
(149)
4- ازدادت الأحوال سوءا في سنة 356 هـ التي لم يبلغ فيضان النيل فيها سوى اثني عشر ذراعا وتسعة عشر أصبعا، وهي في رأي المقريزي أقل زيادة للنيل طيلة تاريخ مصر الإسلامية
(150)
(5_1) يبدو أن وجود كافور في الحكم كان يخفف بعض الشيء من حدة الأزمة، فلما مات كافور في سنة 357 هـ وتولى بعده أبو الفوارس أحمد بن علي الإخشيد، الذي كان طفلا في الحادية عشرة من عمره، اضطربت أحوال البلاد اضطرابا شديدا، فكثرت الفتن والحروب التي راح ضحيتها خلق كثير
(151)
(5_2)وانتهبت الأسواق وأشعلت الحرائق، وتضاعف السعر حتى بيع أردب القمح بستة دنانير، وأفرط الغلاء حتى أطلق عليه ابن سعيد الأندلسي الغلاء العظيم وأكل الناس الجيف والكلاب وكانوا يسقطون موتى من الجوع، واقترن بذلك وباء عظيم كانت بوادره قد بدأت منذ سنة 533 هـ فكثر الموت
(152)
(5_3) ولم يلحق دفنهم وكان يحفر لهم حفر ويرمى فيها عدة كثيرة، ويردم عليها التراب من غير صلاة ولا غسل ولا كفن، ولم يزل أمرهم على تلك الصورة إلى سنة إحدى وستين وثلاثمائة، وبعد ذلك انحلت الأسعار ولم تزل تنتقص إلى أن عادت إلى المعهود"
(153)
(6) أدت هذه الأزمة إلى سقوط الدولة الإخشيدية فقد انتهى الأمر بانقسام الجيش الإخشيدي على نفسه فلحق بعضه بالحسن بن عبيدالله بن طغج بالرملة، وكاتب البعض الاخر وجماعة من وجوه أهل البلد المعز لدين الله الفاطمي صاحب المغرب، يدعونه إلى إنفاذ جيشه إلى مصر ليتسلمها بغير حرب ولا قتال
(154)
(7_1) عاد النيل إلى الوفاء منذ سنة 358 هـ، فبلغ النيل سبعة عشر ذراعا وتسعة عشر أصبعا ورغم ذلك استمرت الأزمة لصعوبة إزالة اثارها بين عشية وضحاها من ناحية، ومن ناحية أخرى لما واكب دخول جوهر الصقلي مصر من اضطرابات وتغيرات سياسية
(155)
(7_2)
ولذلك استمر الغلاء بعد دخول جوهر مصر وإن كان يلاحظ تحسن نسبي يظهر في سعر القمح؛ إذ بيع كل تسعة أقداح بدينار ؛ خلاصة القول: أن العصر الإخشيدي فاق فيما شهده من أزمات اقتصادية كافة عصور تاريخ مصر الإسلامية التي سبقته منذ أن فتح مصر وحتى دخول محمد بن طغج الفسطاط
(156)
الأزمات الاقتصادية في العصر الفاطمي
يمكننا القول : إن العصر الفاطمي كان عصر المتناقضات الاقتصادية، فمع أنه كان في رأي الكثيرين العصر الذهبي لمصر الإسلامية رخاء، وبلغ اقتصاده درجة عالية من القوة والازدهار
يتـــبع غدا ان شاء الله
👇👇👇👇👇
(157)
إذ كان الدينار المعزي يزن عادة 19ر4 جرامات، وتزايد وزنه أحيانا حتى وصل إلى 233ر4 جرامات، بدرجة نقاء تتراوح بين 98 - 99% من وزنه ذهبا، وكان يساوي 3ر13 درهم نقرة وهي قيمة مساوية لأعلى قيمة وصل إليها أجود الدنانير الإسلامية
(158)
برغم ذلك شهد من الأزمات الاقتصادية ما لم يشهده عصر قبله وكانت مدة الأزمات أقسى وأعنف من كل ما سبقها،وربما يرجع ذلك إلى أن التجارة كانت سببا هاما في ازدهار الاقتصاد الفاطمي كانت تجارة في الكماليات بالدرجة الأولى، فلم تستفد مصر منها كثيرا في تلافي المجاعات أو علاج اثارها
(159)
دخل الفاطميون مصر سنة 358هـ والأزمة الاقتصادية التي أودت بالإخشيديين على أشدها، ورغم تحسن الأحوال نسبيا كما سبق أن أشرت إلا أن الأزمة الاقتصادية كانت من الشدة بحيث استغرق إزالة اثارها بضع سنين حتى سنة 361هـ
(160)
وبذل جوهر الصقلي جهودا كبيرة لعلاج تلك الأزمة، وتخفيف حدتها، فقام بتوزيع أموال كثيرة على محدودي الدخل على المستورين والفقراء وقام جوهر بإصلاح العملة، فضرب سكة جديدة جيدة وخفف الضرائب ونادى برفع البراطيل وقائم الشرطتين، وسائر رسوم البلد
(161)
ورغم وفاء النيل في هذه السنة وبلوغه سبعة عشر ذراعا وتسعة عشر إصبعا، إلا أن الغلاء استمر وتزايد في سنة 539هـ، فأدرك جوهر أن هناك تلاعبا في الأسعار من قبل التجار
(162)
فولى على الحسبة رجلا صارما يدعى سليمان بن عزة، ضبط الساحل، وجمع القماحين في موضع واحد، وأشرف على جمع القمح وبيعه إشرافا كاملا، وراقب الطحانين مراقبة، وأنزل العقاب بالمخالفين منهم، حتى إنه ضرب منهم أحد عشر رجلا وطيف بهم
(163)
وإذا كان من المعروف الان بين جمهرة المؤرخين أن تلك الأزمة الاقتصادية، التي بدأت في أواخر العصر الإخشيدي، واستمرت حتى مطلع العصر الفاطمي قد عجلت بسقوط الدولة الإخشيدية، وجعلت أهل مصر يرحبون بقدوم جوهر الصقلي إليهم، فلم يلق إلا مقاومة واهنة من قلة من الجند الإخشيدية
(164)
لكن أحدا من المؤرخين لم يلتفت إلى أن استمرار هذه الأزمة حتى سنة 361هـ كان سببا هاما في تأخير انتقال المعز لدين الله الفاطمي إلى مصر، إذ إن المعز فيما يبدو لم يرغب في الانتقال إلى مصر إبان حدوث تلك الأزمة؛ كي لا يتشاءم المصريون بمقدمه
(165)
وكي لا يرتبط انتقاله إلى مصر في أذهان أهلها بتلك الأزمة التي عانوا منها طويلا، فلا يتذكرون مقدمه إليهم إلا مقرونا بها، فتريث المعز حتى انتهت الأزمة في مطلع عام 361هـ، ووصل إليها في العام التالي
(166)
ويبدو أن المعز لدين الله الفاطمي قد قام أول قدومه إلى مصر بدراسة أحوالها، وأسباب الأزمات الاقتصادية التي حدثت فيها، أو أن تقريرا عن الأزمة الطاحنة التي سبقت قدومه قد قدم إليه، فأدرك خطورة العامل النفسي أو ما أسماه القضاعي: فرط الاستشعار في تفاقم الأزمات وحدوث الغلاء
(167)
فانتهج المعز سياسة وقائية لتلافي هذا الأمر فأمر بألا ينادى بزيادة النيل حتى يتم ويصل إلى حد الوفاء وأن يكتب إليه هو وجوهر الصقلي فقط تقرير يومي عن النيل يبين تطوراته أولا بأول وربما كان ذلك أحد الأسباب التي جعلتنا لم نسمع عن حدوث أزمات اقتصادية في بقية عهد المعز لدين الله
(168)
ولكن خلافة ابنه العزيز بالله التي يعدها البعض أزهى أيام الفاطميين في مصر شهدت عدة أزمات اقتصادية متوالية بدأ بذرها في سنة 371هـ ففيها بلغ النيل من الزيادة إلى خمسة عشر ذراعا وإصبعين ثم نزل حتى بلغ أربعة عشر ذراعا ثم رد زيادته
(169)
وتأكدت مخاوف الناس في العام التالي (372هـ) فقد توقف النيل عن الزيادة، واضطربت الأسعار، وتزايدت أثمان الحبوب والأقوات وزاد من خطورة هذا الغلاء اقترانه بوباء أفنى خلقا عظيما من ناحية، ومن ناحية أخرى انشغال الفاطميين بجهودهم العسكرية؛ لقمع بنو الجراح في فلسطين
(170)
فأدى ذلك إلى تزايد الغلاء في سنة 373هـ حتى فقد الخبز، فرأى العزيز بالله أن يواجه الأزمة في حزم، فقبض على وزيره يعقوب ابن كلس، وصادر كثيرا من أمواله، ونقلها إلى خزانة القصر الخليفي، كما نقل إلى القصر الدواوين التي كانت بدار الوزير
(171)
وراقب الناس هذه التغييرات السياسية في قلق ووجل ثم وقع الهياج بينهم في الفسطاط، أغلقت بسببه الأسواق، وقطع الطريق بين الفسطاط والقاهرة، وكاد الأمر يتفاقم لولا ركوب الشرطة لاستقرار الأمور وتهدئة الناس غير أن الغلاء استمر في سنة 374هـ
(172)
وعانى الناس من المجاعة في سائر الأقاليم بمصر لكن يبدو أن الأمور قد أخذت في التحسن بعد أن بلغ النيل في تلك السنة ستة عشر ذراعا وأربعة أصابع فتجاوز النيل بذلك حد الكفاية الذي لا تقحط معه البلاد
يـــتبع غدا ان شاء الله
(173)
ثم شهدت سنة 377هـ بعض القلاقل فقد حدثت بمصر زلزلة شديدة هدمت دورا كثيرة، ولم يقتصر الأمر على ذلك،بل شهد ذلك العام نفسه سوءا في الأحوال الجوية إذ تأخرت الأمطار إلى نصف كانون، فتلف جميع ما بدور الناس
(174)
وفي 380هـ يبدو أن اضطرابا في الأسعار قد حدث لوفاة الوزير يعقوب بن كلس ؛ذكر ابن الصيرفي أن أبا الحسن علي بن عمر العدس ضمن مال الدولة والنفقات بعد ابن كلس فلما حوسب وجد نقصا في الأموال، فعزم بعض الخسارة، غير أن من حاسبه شهد له أنه ما ارتفق ولا اخترن، ولكن خانه الضمان والأسعار
(175)
وفي 382هـ، وفي شهر ربيع الأول منها،جرى في أمرالسعر ما يعجب منه على حد قول ابن ميسر وهو أن اللحم بيع في الخامس منه:رطل ونصف بدرهم، وبيع في سادسه: عشرأواق بدرهم، وبيع في سابعه:أربع أواق بدرهم، ولحم البقر ست أواق بدرهم، والخبز السميد: اثنا عشر رطلا بدرهم، وغيره سبعة عشر بدرهم
(176)
وكانت الدراهم القروية خمسة عشر درهم ونصف بدينار، وبلغت الدراهم القطع من سبعة وسبعين درهما بدينار إلى مائة درهم بدينار، وضربت الأسعار والصرف، فضربت دراهم جدد، وبيعت القطع من الصيارف؛ لسبك كل خمسة دراهم منها بدرهم
(177)
الأزمات الاقتصادية في خلافة الحاكم بأمر الله الفاطمي
(الأزمة النقدية)
أغلب الظن أن تلك الأزمة حدثت بسبب تزييف النقود حتى ارتفعت قيمة الدينار ثلاثة وعشرين درهما، من الدراهم القطع عما كانت عليه، فلجأ لعلاج تلك الأزمة إلى إجراء إصلاح نقدي، فأوقفت الصرف بالدراهم القطع
(178)
وجمعتها لتعيد إصدارها في دراهم جديدة بعد أن سبكت كل خمسة دراهم لتعيدها إلى قيمة الدراهم القرويةحتى كانت كل خمسة عشر درهما ونصفا منها بدينار لكن هذا الإصلاح النقدي لم يقض على الأزمة الاقتصادية تماما
(179)
بل إنها استمرت حتى العام التالي؛ لذلك أشار أبو المحاسن إلى حدوث غلاء في سنة 383هـ .... وفي خلافة الحاكم بأمر الله الفاطمي نلاحظ تزايدا في الأزمات الاقتصادية عن أيام أبيه العزيز وجده المعز، وربما يرجع ذلك إلى:
يـــتبع غدا ان شاء الله
بسم الله
(180)
(1-1) ظروف الحاكم بأمر الله الشخصية، فقد تولى الخلافة وهو لا يزال صبيا له من العمر إحدى عشرة سنة ونصف، وتولى الوصاية علية برجوان الخادم، فاستهان به الجند، وشغبوا عليه من ناحية
(181)
(1_2)
ومن ناحية أخرى فقد كانت سياسة الحاكم بعد انفراده بالحكم مضطربه وأتى بأشياء أضر بالناحية الاقتصادية، من ذلك أنه نهى عن بيع الفقاع شراب من الشعير والملوخيا، والترمس، والسمك الذي لا قشر له، وضرب عنق من فعل ذلك، ونهى عن بيع الزبيب، ونهى التجار عن حمله إلى مصر
(182)
(1_3)
ثم جمع كمية كبيرة أحرقها على شاطئ النيل وأنفق على إحراقها فقط دون قيمتها هي خمسمائة دينار، ومنع بيع العنب، وقطع الكروم، وأحرق ما كان في المخازن من جرار العسل، فكسرت وقلبت في البحر، ورفع المكوس على الغلات، ثم أعادها، ثم رفع بعضها وأبقى البعض الاخر
(183)
(2)
حدوث بعض الثورات كشغب الجند الكنامية في أول خلافة الحاكم بأمر الله ومطالبتهم إياه بتولية زعيمهم أبي محمد الحسن بن عمار، الذي قلده الحاكم الوساطة، فلم يظهر فيها أدنى كفاءة إدارية وثورة أبي ركوة الأموي الذي هاجم البلاد من جهة برقة فاضطربت الأسعار بمصر
(183)
(3)
تعرض البلاد لقصور في ماء الفيضان في بضع سنين، منذ سنة 397هـ وحتى سنة 399هـ التي لم يبلغ النيل فيها حد الكفاية ولم يتجاوز الأربع عشرة ذراعا إلا بأصابع معدودة...
(184)
لتلك الأسباب شهدت خلافة الحاكم بأمر الله الفاطمي عددا من الأزمات الاقتصادية الطاحنة، التي كان يمكن أن يكون لها نتائج قاسية، لولا صرامة الحاكم بأمر الله وحزمه في بعض المواقف.
(185)
ففي سنة 387هـ، في العام التالي لتولي الحاكم بأمر الله الخلافة حدثت أزمة اقتصادية خطيرة، لا أدل على خطورتها من إشارة المقريزي إليها في كتابه "إغاثة الأمة" الذي انتقى فيه بعض الأزمات الخطيرة، كأمثلة للتدليل على أن الأزمة التي عاصرها لم تكن نسيجا وحدها في خطورتها
(186)
ذكر المقريزي أن سبب الغلاء سنة 387هـ قصور النيل الذي لم تزد زيادته عن ست عشرة ذراعا وأصابع ويحدد ابن أبيك مقدار هذه الأصابع، فيسجل أن النيل بلغ ست عشرة ذراعا وسبع أصابع وهي زيادة تعني أن النيل بلغ حد الكفاية الذي لا تقحط معه البلاد، وتجد كفايتها للعام الذي هي فيه
(187)
لذلك لا نعتقد أن سبب تلك الأزمة كان هو قصور النيل كما ظن المقريزي ولكنها حدثت نتيجة لأسباب بشرية؛ لعله القلق الذي ينتاب الناس عند كل تغيير سياسي، فيقومون بالتخزين، ويزيد الطلب على العرض فترتفع الأسعار
(188)
لذلك نزع السعر في سنة 387هـ طلب القمح فلم يقدر عليه حتى وصل سعر التليس أربعة دنانير عين مصرية وزاد الطين بلة تزايد نشاط اللصوص، ثم تفاقم الأمر حتى وصل سعر الخبز إلى أربعة أرطال بدرهم
(189)
وفي سنة 395هـ وقعت أزمة اقتصادية يرجعها المقريزي أيضا إلى توقف النيل حتى كسر الخليج في اخر مسرى على حد قوله والماء على خمس عشرة ذراعا، وسبع أصابع، وانتهت إلى ست عشرة ذراعا وأصابع
(190)
ومع أننا نلاحظ على هذه الزيادة ما لاحظناه على زيادة النيل في سنة 387هـ من كونها قد تجاوزت حد الكفاية الذي لا تقحط معه البلاد وإن الأزمة من ثم لا بد لها من أسباب بشرية، فإن المقريزي في وصفه لتلك الأزمة التي بدأت سنة 395هـ يظهر صحة خلل العملة المتداولة وحينذاك إذ يقول:
(191)
فارتفعت الأسعار، ووقفت الأحوال في الصرف، فإن الدراهم المعاملة كانت تسمى يومئذ بالدراهم المزايدة والقطع، فتعنت الناس فيها، وكان صرف الدينار ستة وعشرين درهما منها، فتزايد سعر الدينار إلى أن وصل كل أربعة وثلاثين درهما بدينار، وارتفع السعر وزاد اضطراب الناس، وكثر عنتهم في الصرف
(192)
فتقدم الأمر بإنزال عشرين صندوقا من بيت المال مملوءة دراهم فرقت في الصيارف، ونودي في الناس بالمنع من المعاملة بالدراهم القطع والمزايدة، وأن يحملوا ما بأيديهم منها إلى دار الضرب فشق ذلك على الناس لتلاف أموالهم
(192)
فإنه كان يدفع في الدرهم الواحد من الدراهم الجدد أربعة دراهم من الدراهم القطع والمزايدة وأمر أن يكون الخبز اثني عشر رطلا بدرهم من الدراهم الجدد وأن يصرف الدينار بثمانية عشر درهما منها
يتــبع غدا ان شاء الله
(193)
ويتضح في نص المقريزي أن الأزمة النقدية كانت السبب الحقيقي في الغلاء الذي ألم بالبلاد حينذاك ويؤكد ذلك ما ذكره في اتعاظ الحنفاء عن اضطراب السعر واختلاف الناس في الدراهم والصرف لذلك تطلب علاج الأزمة الاقتصادية للتدخل لإصلاح العملة على نحو ما جرى في خلافة العزيز بالله الفاطمي
(194)
لكن تدخل الحاكم بأمر الله لم يؤد إلى نتيجة مرضية لأن هذا التدخل كان بغرض الاستفادة من الأزمة وتحقيق أرباح طائلة من ورائها ولتوضيح ذلك ينبغي قراءة نص المقريزي بدقة وإمعان وكان أقصى تدهور في قيمة الدراهم أن وصل سعر الدينار أربعة وثلاثين درهما من الدراهم المعاملة
(195)
وهي بهذا تتساوى في قيمتها مع الدراهم السود التي كانت كل ثلاثة منها تساوي درهما نقرة لكن حكومة الحاكم بأمر الله كانت تبيع الدراهم الجدد كل درهم منها بأربعة دراهم من الدراهم المعاملة القطع والمزايدة ومعنى هذا أن الحكومة حققت ربحا في هذه العملية بنسبة الريع (25%)
(196)
إذا كانت الدراهم الجدد دراهم نقرة لكنها لم تكن كذلك من واقع تسعيرها من قبل الحكومة نفسها التي صرفت كل ثمانية عشر درهما من الدراهم الجدد بدينار واد معزى وهذا الدينار كان يساوي في العادة 13 درهما نقرة وعلى ذلك تكون الدراهم الجدد أقل في قيمتها عن الدراهم النقرة بنحو 35%
(197)
أي إن الحكومة حققت ربحا اخر تلك النسبة وتكون بذلك قد حققت ربحا إجماليا في عمليتي جمع العملة وإعادة إصدارها قدره 60% من قيمة العملة المطروحة للتداول حينذاك وهذا الأمر يطرح قضية خطيرة حول هذه الأزمة التي لم يكن لها من سبب طبيعي
(198)
وعلى كل ما سبق أن يتضح لنا انها أزمة مصطنعة فمن الذي افتعلها؟ لا نستبعد أن يكون الذي افتعل هذه الأزمة هو أكثر الأطراف إفادة منها وقد وضح لدينا أن المستفيد الرئيس من هذه الأزمة هو الحاكم بأمر الله الفاطمي
(199)
ومن ثم فلابد ببعض الإجراءات؛ للتعمية وإخفاء تلاعبها، مثل: تسعير الخبز، وضرب بعض الطحانين والخبازين، الذين حاولوا هم أيضا الإفادة من ظروف الأزمة بوسائلهم الخاصة، وكان يمكن أن تنتهي الأزمة عند ذلك الحد، كما انتهت كثير غيرها من الأزمات المفتعلة لولا أن حدث ما لم يكن في الحسبان
(200)
فقد توقفت زيادة النيل في العام التالي عند ثلاث عشرة ذراعا وأصابع وتهددت البلاد مجاعة حقيقة وأصبحت حكومة الحاكم بأمر الله في مأزق حرج بعد أن اشتد الغلاء وعدمت الأقوات واستولى أبو ركوة على الفيوم كما اشرت عنه سابقا والتي كانت الأمل الوحيد المتبقي للتخفيف من حدة المجاعة
(201)
فلم يكن في مصر موضع غير الفيوم يروى من اثنتي عشرة ذراعا كما أنه كان الإقليم الوحيد في مصر الذي يزرع مرتين في العام لذلك اضطرب أهل مصر وخافوا خوفا شديدا فتدخلت حكومة الحاكم بأمر الله؛ لمواجهة هذه الأزمة التي لم تكن في حسبانها، وانتهجت سياسة صارمة حتى لا تستفحل العواقب
(202)
فرضت رقابة شديدة على تجار الغلال وعلى الطحانين والخبازين وأمر الحاكم بأمر الله ألا تباع الغلال إلا للطحانين حتى لا يقوم الناس بتخزينها وسعر القمح كل تليس بدينار إلا قيراط والشعير عشر ويبات بدينار والحطب عشر حملات بدينار وسعر سائر الحبوب والمبيعات وضرب جماعة بالسياط وشهرهم
(203)
فسكن الناس بوجود الخبز لكن صرامة الحاكم لم توقف الغلاء فقد ازدحم الناس على الخبز، حتى بيع مبلولا ستة أرطال بدرهم وبلغ الدقيق كل حملة بدينار ونصف، وتفاقم الأمر، خصوصا أن النيل لم تتحسن أحواله رغم استسقاء الناس مرتين، ووصلت حملة الدقيق إلى ستة دنانير
(204)
وكسر الخليج والماء على خمس عشرة ذراعا لم يعد بكبير فائدة في إصلاح تلك الأزمة الضاربة بل زادت الأحوال سوءا وبلغ القمح كل تليس أربعة دنانير والأرز كل ويبة بدينار، ولحم البقر رطل ونصف بدرهم ولحم الضأن رطل بدرهم والبصل عشرة أرطال بدرهم، والجبن ثماني أواق بدرهم
(205)
لم تكن سنة 398هـ بأحسن حال من سابقتها فقد توقف النيل فيها أيضا عن الزيادة فلم يتجاوز أربع عشرة ذراعا إلا ببضع أصابع أي: إنه لم يصل إلى حد الكفاية، فأصابت الناس من ذلك شدائد على حد قول المقريزي وقد أوضح ابن سعيد الأنطاكي بعضا من هذه الشدائد؛ إذ يقول:
(206)
انقطع سير المراكب في البحر الشرقي من بلبيس ومن المحلة وصار مخائض تخوضه الدواب وتغيرت رائحته حتى كان الناس يستقون ما يشربونه من بحر الجيزة وتوقف ماء النيل في سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة وانصرف من غير أن يتم مقدار الحاجة إليه، فتزايد اضطراب الأسعار بمصر وعزت الأقوات
(207)
فأصابت الناس مجاعة شديدة وتشددت الحكومة في تعقب تجار الغلال وضرب قوم من الخزانين بالسياط، فأخرجوا ما لديهم من قمح، فانصلح الحال بعض الشيء ثم جاءت سنة 399هـ على منوال سابقتها إذ شح النيل عن الوفاء، فكسر الخليج في الخامس عشر من توت بعد موعده بكثير، والماء في خمس عشرة ذراعا
(208)
وإلا أنه انحط سريعا بعد أربعة أيام فقط في التاسع عشر من الشهر نفسه أي: قبل أوان انحطاطه بشهر ونصف فنقص إلى أربع عشرة ذراعا وست عشرة أصبعا فلم تأخذ الأراضي حاجتها من الماء وهاج الناس بعد أن عصرهم الجوع وتجمهروا هاتفين بالحاكم أن يجد لهم خلاصا من تلك المحنة
(209)
ويبدو أنه خشي سوء العاقبة من هذا التجمهر فشمر عن ساعد الجد وأقسم أن يقتل كل من يخفي غلالا وأن يحرق داره وينهب أمواله فذعر خازنو الغلال من وعيد الحاكم وهرعوا يخرجون الغلال التي قاموا بتخزينها فجمعت في مكان واحد ونظم الحاكم مقادير الاحتياجات اليومية وجدد للغلال سعرا مناسبا
(210)
وفي سنة 403هـ ارتفعت الأسعار وازدحم الناس على الخبز ففرق الحاكم أموالا على الفقراء ورفع المكوس عن جميع الغلال الواردة بالساحل لكي تنخفض الأسعار لكن الغلاء امتد حتى سنة 404هـ
(211)
وفي سنة 406هـ حدثت هزة اقتصادية بسبب زيادة النيل زيادة كبيرة تخطت حد الاستبحار فقد وصل النيل إلى ثلاث أصابع من إحدى وعشرين ذراعا فغرق المقياس وامتلأ كل مكان من المدينة بالماء ولم يبق طريق يسلك إلى القاهرة إلا من الصحراء وغرقت الضياع والبساتين
(212)
وفي سنة 410هـ اشتد ارتفاع الأسعار حتى وصل سعر رطل الدقيق درهما وبيع اللحم أربعة أواق بدرهم ومات كثير من الناس بالجوع وامتد تأثير هذه الأزمة فيما يبدو حتى العام التالي فقد ذكر السيوطي أن القوت عز في سنة 411هـ ثم هان بعد أراجيف عظيمة
يتبع غدا ان شاء الله
بسم الله نستكمل
(213)
على هذا النحو كانت الأزمات الاقتصادية في خلافة الحاكم بأمر الله ولعلنا لاحظنا أنها كانت أكثر وأقسى من تلك الأزمات التي حدثت في خلافة أبيه وخلافة جده وقد أرجعنا تلك الأزمات إلى أسباب ذكرناها في مواضعها
(214)
والجدير بالملاحظة هو موقف الوزارة الذي لم يكن فوق مستوى الشبهات في بعض الأحيان إذ وجدناها تحقق أرباحا طائلة من وراء الأزمة النقدية في سنة 387هـ وصلت إلى 60% من قيمة العملة المطروحة للتداول كما اشرت في تغريدات الامس وهو الأمر الذي جعلنا نشير بأصابع الاتهام إلى تلك الوزارة
(215)
وإن كنا رأيناها في مواضع أخرى تواجه أزمات أخرى بالشدة والحزم الواجبين حتى إن الحاكم بأمر الله تمكن من تخفيف وعلاج أزمة سنة 399هـ الضاربة بما واجهها به من تدابير صارمة
(216)
وهو الأمر الذي يؤكد مسؤولية الوزارة في حالة تراخيها، وعدم مواجهة الأزمات بالوسائل الناجعة لعلاجها، مما يؤدي إلى تفاقم الأزمات وتصعيدها، وشهدت خلافة الظاهر لإعزاز دين الله الفاطمي عددا من الأزمات يمكن إجمال أسبابها فيما يلي :
(217)
(1_1)
ضعف سلطة الخليفة، فقد تولى الظاهر وهو لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره بعد؛ لذلك تولت عمته ست الملك الوصاية عليه حتى وفاتها سنة 415هـ
(218)
(1_2)
لكنه بعد وفاتها وقع تحت تأثير رجال الدولة الأقوياء الذين وجدوا في قلة خبرة الخليفة فرصة سانحة لتسيير دفة الأمور على النحو الذي يروق لهم، ويحقق مصالحهم الخاصة دون اعتبار للمصلحة العامة، فدخلوا مجال تجارة الغلال، وتلاعبوا بالأسعار بغية تحقيق أعلى ربح
(219)
(2_1)
القلاقل الداخلية وعلى الحدود، ففي الداخل وقعت أحداث النهب التي قام بها العبيد وغيرهم حتى إن الأهالي كانوا يتحارسون ويخندقون على أنفسهم الخنادق ومع ذلك نهب العبيد الساحل وبعض جهات الريف
(220)
(2_2)
حتى إنهم نهبوا بلد الأشمونين بأسره والعرب معهم وقطع في النهاية الطريق على حجيج مصر والمغاربة بعد تجاوزهم بركة الجب أكثر من مرة وعلى الحدود، وقعت عدة معارك بين الفاطميين وحسان بن مفرج بن الجراح الذي انتهز وفاة الحاكم وتولي ابنه الصغير الخلافة؛ ليهاجم مصر نفسها
(221)
(2_3)
فاقتحم الفرما سنة 411هـ وفر أهلها إلى القاهرة ثم عاود الكرة بعد أربع سنوات سنة 415هـ فهاجم العريش وأحرقها، وسرت إشاعات بين الناس بتسلل قواته إلى داخل البلاد حتى خشي أهل القرافة على أنفسهم، فانتقلوا عنها إلى الفسطاط
(222)
(3)
نقص النيل في بعض السنوات، مثلما حدث في سنة 414هـ التي انتهت زيادة النيل فيها إلى أربعة عشر ذراعا وإصبع واحدة وهو ذرع معناه أن النيل لم يبلغ حد الكفاية، وأن البلاد تهددها القحط والمجاعة
(223)
(4) تعرض المزروعات في بعض السنوات للافات، مثل: إتلاف الفئران لزروع مصر سنة 416هـ
(224)
(5)
نقص حيوانات الحقل السليمة القادرة على الحرث، حتى تطلب الأمر تدخل الحكومة؛ لتسن القوانين اللازمة لحماية المتبقي منها، مثلما حدث في سنة 414هـ التي منع فيها ذبح الأبقار لقلتها وتأكد هذا الاتجاه في سنة 417هـ إذ منع الظاهر ذبح الأبقار التي تصلح للحرث
(225)
لأن في ذبحها غاية الفساد وإضرارا بالعباد والبلاد لم تكن الأزمات الاقتصادية التي حلت بالبلاد في خلافة الظاهر أقسى من مثيلاتها في خلافة أبيه الحاكم بأمر الله ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح في ضوء الاعتبارات الاتية:
يتبع غدا ان شاء الله
(226)
ثم تحسنت الأحوال غير أن الأزمات أطلت برأسها مرة أخيرة في خلافة الظاهر سنة 423هـ ربما من قبيل إثبات الوجود إذ يصرح ابن أبيك أن هذه السنة كانت شديدة على الناس من الغلاء والقحط
(227)
ولا نفهم سبب القحط على وجه التحديد لأن ابن أبيك نفسه يسجل أن النيل بلغ 16 ذراعا وأربع أصابع وهو حد الكفاية الذي لا تقحط معه البلاد ويبدو أن الأحوال تحسنت فلم نسمع عن أزمات أخرى بقية خلافة الظاهر الذي توفي سنة 427هـ بل واستمرت كذلك فترة ليست بالقصيرة من خلافة ابنه المستنصر
(228)
سلسلة مفصلة عن الشدة المستنصرية
(229)
الأزمات الاقتصادية في عصر المستنصر بالله الفاطمي
تولى المستنصر بالله الفاطمي الخلافة عقب وفاة أبيه الظاهر وشهدت أيامه عددا من الأزمات الاقتصادية التي لا مثيل له في سائر أيام الفاطميين السابقة منها أو اللاحقة
(230)
ومع أن المستنصر قد تولى الخلافة وهو صبي في السابعة من عمره فقد خلت السنوات السبعة عشر الأول من خلافته من الأزمات الاقتصادية إذ لم تصل إلينا أية أنباء عن حدوث شيء منها في تلك الفترة وهو أمر يلفت الانتباه
(231)
فلم يحدث منذ خلافة الحاكم بأمر الله أن مرت فترة طويلة كهذه دون أن تشهد البلاد أزمات اقتصادية وربما يرجع ذلك إلى التحسينات التي يبدو أنها طرأت على الإدارة الفاطمية أواخر خلافة الظاهر والتي لا نعرف شيئا محددا عنها وإن كنا نلمس اثارها في خلو هذه السنوات الطويلة من الأزمات
(232)
ويبدو أيضا أن هذه الإدارة كانت قد تعلمت حينذاك دروسا من الأزمات السابقة فاحتاطت للأمر بإنشاء ما يسميه المقريزي المخازن السلطانية التي كان يخزن فيها من القمح ما يمكن أن نسميه الاحتياطي الإستراتيجي بالمصطلح الحالى لتواجه بها الأزمات حين حدوثها
يتبع غدا ان شاء @MASHALLAH101
بسم الله
(233)
مع أننا لا نعرف تاريخ استخدام هذه المخازن السلطانية على وجه التحديد إلا أننا نفهم أنها كانت موجودة، وتقوم بدور عمال قبل عام 444هـ ففي هذا العام وقع أول غلاء في خلافة المستنصر ووزارة أبي محمد الحسن اليازوري
(234)
إذ تحرك السعر بسبب قصور النيل وخلو المخازن السلطانية من الغلات؛ لانشغال اليازوري عنها بمهامه الكثيرة لجمعه بين الوزارة والقضاء، فاشتدت بالناس المسغبة، ووصل سعر الخبز أربعة أرطال بدرهم وثمن حتى جاء تدارك الأزمة من حيث لم يحتسب أحد
(235)
فقد تصادف أن خبازا صعلوكا كان دكانه يجاور دكان عريف الخبازين بأحد أسواق الفسطاط، وكان الإقبال على خبز العريف، حتى كاد خبزه أن يبور، فنادى عليه: أربعة أرطال بدرهم مخفضا السعر ثمن درهم؛ ليرغب الناس فيه، فاتبع الناس خبزه
(236)
وكسد خبز العريف الذي حنق عليه وأوعز إلى عونين من الحسبة أن يغرماه عشرة دراهم، فشكا الخباز الصعلوك لليازوري ما حل به، فأمر اليازوري بعد أن تحقق من الواقعة بصرف العريف، وكافأ الصعلوك بثلاثين رباعيا من الذهب فلم يملك الخباز نفسه من الفرح حتى نادى على الخبز: خمسة أرطال بدرهم
(237)
فمال الزبون إليه، وخشي بقية الخبازين كساد أخبازهم، فجاروه في التخفيض، فنادى: ستة أرطال بدرهم، فاتبعوه، وظل يخفض السعر نكاية في العريف المعزول وهم يتبعونه؛ خوفا من بوار أخبازهم؛ حتى انخفض سعر الخبز إلى عشرة أرطال بدرهم
(238)
ويبدو أن اجتياز تلك الأزمة رغم خلو المخازن السلطانية من مخزون القمح قد شجع اليازوري على نبذ التخزين السلطاني، الذي كان لا يتعدى في رأيه كونه تجارة من أجل الكسب، فأقنع المستنصر بالتحول عن تجارة القمح إلى أصناف أخرى أقل تعرضا للتلف، كالخشب، والصابون، والحديد، وما شابه ذلك
(239)
ويعتقد المقريزي أن تنفيذ اقتراح اليازوري السابق بتحويل القصر عن تجارة القمح قد أدى إلى دوام الرخاء مدة سنين والواقع أن هذا الاعتقاد لم يكن في محله بأي حال من الأحوال؛ إذ حدث غلاء في السنة التالية مباشرة، فقد ذكر ابن أبي أصيبة أن الغلاء عرض بمصر في سنة 445هـ
(240)
ثم نقص النيل في السنة التي تليها وتزايد الغلاء ويذكر ابن ميسر أن غلاء حدث في سنة 446هـ فاستعان المستنصر بصاحب القسطنطينية قسطنطين التاسع ليحمل إليه الغلال من بلاده، فأطلق له أربعمائة ألف إردب
(241)
فمات في أثناء ذلك وملكت بعده ثيودورا فراسلت المستنصر في نصرتها أن قام عليها أحد، فلم يجبها، فعاقت عنه الغلال بل إن المقريزي نفسه يذكر في خططه أن النيل قصر في سنة 446هـ وقوي الغلاء وعلى ذلك، فلم يدم الرخاء، ولم تثبت فكرة الاستغناء عن الخزين السلطاني أية فعالية
(242)
فاضطر اليازوري أن يعدل عن هذا الاتجاه في سنة 446هـ لأن النيل قصر فيها، والمخازن السلطانية خاوية إلا من جرايات من في القصور ومطبخ السلطان وحواشيه لا غير، فاحتار الوزير في كيفية تدارك هذه الأزمة، في الوقت الذي نزع فيه السعر إلى ثمانية دنانير التليس من القمح وصار الخبز طرفه
(243)
وكان التجار يحتكرون الغلال عن طريق شرائها في السنابل، فإذا حصدت، وجمعت في البيادر حملوها إلى مخازنهم، وتحكموا فيها، فمنعهم اليازوري من أخذ الغلال، ودفع لهم الأموال التي دفعوها فيها، وأربحهم ثمن دينار عن كل دينار دفعوه تطبيبا لنفوسهم
يتـــبع غدا ان شاء الله
(244)
ثم حمل الغلال إلى المخازن السلطانية بالفسطاط، وسعر القمح : التليس بثلاثة دنانير، وسلم الخبازين ما يعمرون به الأسواق، ورتب للقاهرة والفسطاط راتبا يوميا: ألف تليس من القمح للفسطاط، وسبعمائة تليس، وللقاهرة ثلاثمائة، إلى أن أدركت الناس الغلة التالية، فتوسعوا وزال عنهم الغلاء
(245)
ثم وقع غلاء اخر في سنة 448هـ، ويبدو أنه كان امتدادا لأزمة اقتصادية عالمية اجتاحت عددا من الأمصار، فقد ذكر المؤرخون الذين أشاروا إليها أنها عمت مصر والشام وبغداد وسائر الدنيا
(246)
وقيل: إن نيل مصر هبط سريعا قبل الانتفاع به على الرغم من أنه كان قد بلغ قبل هبوطه سبعة عشر ذراعا وثلاثة عشر أصبعا، فارتفعت الأسعار حتى بلغ سعر الرمانة الواحدة أو السفرجلة الواحدة دينارا
(247)
ويشير ابن أبيك إلى غلاء اخر وقع واشتد بمصر سنة 450 هـ بلغ فيه سعر الإردبمن القمح ثمانية دنانير مصرية وبلغ الشعير والفول خمسة دنانير والحمص تسعة دنانير ويشير ابن إياس إلى غلاء اخر وقع سنة 451هـ يسميه الغلاء العظيم لكن يتضح في وصفيهما أنهما يخلطان بينهما وبين الشدة المستنصرية
(248)
وجدير بالذكر أننا نلاحظ اختلافا بين المؤرخين على تحديد سنة ابتداء الشدة المستنصرية، وإن كانوا قد تعارفوا على القول بأن مدتها سبع سنوات، فبداية هذه السنوات السبع عند ابن إياس هي سنة 451هـ ويصفها بأنها الغلاء العظيم الذي يعادل الغلاء الذي وقع في زمن يوسف عليه السلام
(249)
ويذكر ابن أبيك أن سنة 488هـ كانت هي أول الغلاء العظيم بمصر إلا أن السيوطي ينص على أنه في سنة ستين وأربعمائة كان ابتداء الغلاء العظيم بمصر الذي لم يسمع بمثله في الدهور من عهد يوسف الصديق عليه السلام واشتد القحط والوباء سبع سنين متوالية
(250)
ويحدد المقريزي بداية الشدة المستنصرية في سنة 457هـ، ويصفها بأنها "الغلاء الذي فحش أمره، وشنع ذكره، وكان أمده سبع سنين ويحدد علي مبارك سنة 454هـ بداية الفتنة العظمى التي تخرب فيها إقليم مصر كله
(251)
ويرجع عدم اتفاق المؤرخين على سنة بعينها كبداية محددة للشدة المستنصرية إلى أن الأزمات الاقتصادية توالت طوال الفترة الممتدة منذ منتصف الأربعينيات، حتى بداية النصف الثاني من الستينيات من الخامس الهجري
(252)
حين قدم بدر الجمالي مصر سنة 466هـ فلا تكاد تخلو سنة من تلك السنوات العشرين من الغلاء، وهو الأمر الذي لم يتكرر كثيرا على هذا النحو طوال التاريخ المصري كله: قديمه، ووسيطه، وحديثه على وجه الإجمال
(253)
وعلى الرغم من هذا الامتداد الطويل لسني الشدة في خلافة المستنصر لنحو عقدين من الزمان، إلا أن المؤرخين اعتادوا على تشبيهها بغلاء يوسف عليه السلام وهو تشبيه يخفف كثيرا من صورة الأزمات المستنصرية على غير ما قصد إليه هؤلاء المؤرخون، فمعروف أن يوسف عليه السلام
(254)
تنبأ بالسنوات السبع العجاف قبل حلولها، ومنح من السلطات ما جعله يستعد لمجابهة هذه السنوات العجاف، وتمكن فعلا بحسن تدبيره أن يدفع أذى القحط، ليس عن مصر وحدها، وإنما عن البادية أيضا
(255)
بينما لم يتمكن أحد قبل بدر الجمالي من علاج الشدة المستنصرية أو تخفيف قسوتها، ولم تقتصر الشدة المستنصرية على سبع سنوات كما اعتيد القول، وإنما امتدت لأكثر من ذلك بكثير.
يتــــبع غدا ان شاء الله
بسم الله
(256)
لذلك فلا وجه للمشابهة بين الشدة المستنصرية وغلاء يوسف فضلا عن ذلك الاختلاف بينهم في أسباب كل منهما فبينما كانت السنوات العجاف التي حلت زمن يوسف سببها قصور النيل وحدوث القحط فإن الشدة المستنصرية لم يكن النيل هو سببها أو لعله لم يكن من أسبابها على الإطلاق
(257)
فواقع الأمر أننا إذا طرحنا جانبا تلك العبارة التقليدية التي اعتاد المؤرخون ترديدها عند حدوث كل غلاء، فيقولون: قصر النيل، أو انقطع ماء النيل، وإذا تجاوزنا عن انفراد ابن إياس بقوله:
(258)
إن النيل في السنوات السبع التي أشار إليها باعتبارها الغلاء العظيم لم يبلغ في الزيادة إلا اثني عشر ذراعا وأحد عشر أصبعا فإننا سنجد أن النيل طوال العقدين الممتدين من منتصف الأربعينيات حتى منتصف الستينيات من القرن الخامس الهجري لم تقل زيادته في أي سنة من تلك السنوات حد الكفاية
(259)
وكان أقل ذراع بلغه النيل طيلة هذه الفترة في سنة 460هـ، التي بلغت زيادة النيل فيها خمسة عشر ذراعا وستة أصابع، وهو بذلك يكون قد تجاوز حد الكفاية إذا اعتبرنا حد الوفاء حينذاك سبعة عشر ذراعا، أما إذا صعدنا بحد الوفاء إلى ثمانية عشر ذراعا
(260)
فتكون تلك السنة 460هـ هي السنة الوحيدة طيلة العقدين المشار إليهما التي لم يبلغ النيل فيها حد الكفاية، بينما تكون بقية السنوات قد نالت هذا الحد من زيادة النيل؛ لأن زيادته لم تقل في أي منها عن ستة عشر عاما
(261)
ومعنى هذا أن النيل لم يكن السبب الحقيقي وراء الشدة المستنصرية ولم يشر أحد من المؤرخين إلى عوامل طبيعية أخرى كالافات الزراعية من جراد أو فئران أو خلافه ومن ثم تكون العوامل البشرية هي الأسباب الحقيقية في حدوث الشدة المستنصرية
(262)
والغريب حقا أن تؤدي العوامل البشرية مهما كان حجمها أو نوعيتها إلى تلك الأزمات المتواصلة لنحو عقدين من الزمان مما يعكس بوضوح مدى ضعف الحكومة المستنصرية وفسادها من ناحية
(263)
ومن ناحية أخرى يبرز قيمة الدور الهام الذي قام به بدر الجمالي في خدمة الفاطميين بإنقاذ البلاد من ويلات الأزمات الاقتصادية، وإقالة الخلافة الفاطمية من عثرتها التي يشك في قدرتها على النهوض منها لولا جهود بدر الجمالي.
(264)
وقد فطن بعض المؤرخين إلى العوامل البشرية التي سببت الأزمات الاقتصادية في خلافة المستنصر فقد أشار ابن أبيك إلى هذه الأسباب في حديثه عن غلاء سنة 456هـ وهي: كثرة تغيير الوزراء، وانتشار الفتن، وحوادث النهب، وانحلال الإدارة، وقلة التجار واستبداد ولاة الأعمال بما في أيديهم
(265)
ويسهب المقريزي في ذكر العوامل البشرية وراء الأزمات الاقتصادية في خلافة المستنصر فيقول: فلما قتل الوزير أبومحمد (اليازوري)لم تر الدولة صلاحا، ولا استقام لها أمر وتناقضت عليها أمورها، ولم يستقر لها وزير تحمد طريقته، ولا يرضى تدبيره، وكثرت السعاية فيها
(266)
فما هو إلا أن يستخدم الوزير حتى يجعلوه سوقهم، ويوقعوا به الظن، حتى ينصرف ولم تطل مدته، وخالط السلطان الناس، وداخلوه بكثرة المكاتبة، فكان لا ينكر على أحد مكاتبته، فتقدم منهم كل سفساف وحظي عنده عدة أوغاد، وكثروا حتى كانت رقاعهم أرفع من رقاع الرؤساء والجلة
(267)
حتى إنه كان يصل إلى السلطان في كل يوم ثمانمائة رقعة، فتشبهت عليه الأمور، وانتقضت الأحوال، ووقع الاختلاف بين عبيد الدولة، وضعفت الوزراء عن تدبيرهم؛ لقصر مدتهم، وأن الوزير منذ يخلع عليه إلى أن ينصرف لا يفيق من التحرز ممن يسعى عليه عند السلطان
(268)
وتقف عليه الرجال فما يكون فيه فضل عن الدفاع عن نفسه فخربت أعمال الدولة وقل ارتفاعها، وتغلب الرجال على معظمها، واستصفوا نواحي ارتفاعتها فاتضلع الارتفاع، وعظمت الواجبات، ووقع اصطلاح الأضداد على السلطان،ولازموا بابه، وتجرؤوا على الوزراء، واستخفوا بهم، وجعلوهم غرضا لسهامهم
(269)
فكانت الفترات بعد صرف من ينصرف منهم أطول من مدة نظر أحدهم، فطغى الرجال وتجرؤوا حتى خرجوا من طلب الواجبات إلى المصادرة، فاستنفدوا أموال الخليفة، وأخلوا منها خزائنه، وأحوجوه إلى بيع عرضه فتلاشت الأمور واضمحلت، ينتقلون فيها بحكم غلبة من تغلب صاحبه عليها
(270)
ودام ذلك بينهم سنوات خمسا أو ستا ثم قصر النيل فنزعت الأسعار نزوعا بدد شملهم، وبرق الفهم، وشتت كلمتهم، وأوقع الله العداوة والبغضاء بينهم، فقتل بعضهم بعضا، حتى أباد خضراءهم، وعفى اثارهم، فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا
(271)
ثم يضيف المقريزي في الحديث عن الغلاء الذي فحش أمره أن سببه "ضعف السلطنة، واختلال أحوال المملكة، واستيلاء الأمراء على الدولة، واتصال الفتن بين العربان، وقصور النيل، وعدم من يزرع ما شمله الري
(272)
ويشير ابن الصيوفي إلى سوء الإدارة عند تولي ابن العجمي الوزارة سنة 455هـ فيقول: "وليها والعزائم قد وهت، وأسباب الفساد قد بلغت الغاية وانتهت، والمراقبة قد نزرت وقلت، والمهابة قد تلاشت واضمحلت
(273)
على هذا النحو كانت العوامل البشرية التي أوجزها ابن أبيك والمقريزي،وابن الصيرفي هي العوامل الرئيسة في حدوث الأزمات الاقتصادية زمن المستنصر وإذا كان المقريزي قد أشار في سرعة واقتضاب إلى قصور النيل فإنه يؤكد بذلك صحة أن العوامل البشرية تحتل الصدارة في أسباب الشدة المستنصرية
(274)
ويمكن أن نضيف إلى جملة العوامل البشرية سالفة الذكر عاملا اخر، هو توتر علاقات الفاطميين الخارجية زمن المستنصر على نحو أشد بكثير عما كانت عليه في عهود أسلافه إذ تعرض لضغوط من قبل البيزنطيين والعباسيين والسلاجقة، وخرجت عليهم، ولا يأتيهم في أفريقية والشام والحجاز
(275)
في وقت كانت فيه حكومة المستنصر أعجز ما تكون عن مواجهة تلك الشدائد، ومن ثم يمكن القول: إن الأزمات الاقتصادية تفاقمت في خلافة المستنصر على نحو لا مثيل له، ليس في التاريخ الفاطمي فحسب، وإنما في تاريخ مصر الإسلامية بوجه عام
يتبع غدا ان شاء الله
بسم الله
(276)
إذا قلنا إن الأزمات الاقتصادية في خلافة المستنصر بالله كانت سلسلة متصلة الحلقات، بدأت منذ منتصف الأربعينيات من القرن الخامس الهجري، فإن هذه الأزمات قد ازدادت حدتها وقسوتها منذ النصف الثاني من خمسينيات ذلك القرن وهي الفترة التي عرفت لدى المؤرخين بالشدة المستنصرية
(277)
ففي سنة 457هـ نزع السعر وتزايد الغلاء، وخيم شبح الجوع لعدم الأقوات، حتى بيع رغيف خبز في النداء بزقاق القناديل بالفسطاط، كبيع الطرف بخمسة عشر دينارا، وبيع الإردب من القمح بثمانين دينارا ويصف المؤرخون معاناة الأهالي من تلك المجاعة وصفا شنيعا
(278)
حتى قيل: إن الناس أكلوا الكلاب والقطط والجيف والميتة، بل وأكلوا بعضهم بعضا
وكان أس البلاء تلك الفتن والحروب، التي وقعت بين طوائف الجند في الجيش الفاطمي، وكان لأم المستنصر دور رئيس في إشعال تلك الفتن؛لانحيازها لبني جلدتها منهم ، وتحريضهم على بعض
(279)
فاشتبكوا في عدة وقائع انتهت باندحار العبيد عند الجيزة، وتقهقرهم إلى الصعيد، فعاثوا فيه فسادا ثم انشق الأتراك على زعيمهم ناصر الدولة بن حمدان، الذي استولى على الوجه البحري، وخطب للخليفة العباسي القائم بأمر الله وكتب إلى ألب أرسلان يستدعيه لبسط سلطانه على مصر
(280)
ولولا انشغال سلطان السلاجقة بمحاربة البيزنطيين حينذاك، لتغيرت صفحات عديدة من تاريخ الدولة الفاطمية في مصر وأسفر النزاع عن ضياع هيبة الخليفة الفاطمي وسلطته على البلاد التي أصبحت قسمة بين العبيد في الصعيد وناصر الدولة في الوجه البحري
(281)
ثم ما لبث ناصر الدولة أن دخل الفسطاط، وسيطر عليها، ولم يعد للمستنصر حياله حول ولا قوة، فبالغ ناصر الدولة في إهانة الخليفة وأمه، وأمسك بزمام الأمور حتى دبر الأتراك مقتله سنة 465هـ وانعكست هذه الأحداث على الأسعار، فتصاعدت تصاعدا خطيرا
(282)
حتى وصل سعر القمح سنة 461هـ إلى مائة دينار للإردب الواحد منه، ثم عدم وجوده وعظم الجوع وامتدت أيدي الجند إلى نهب الأهالي وفر كثيرمن أهل القاهرة والفسطاط إلى الشام والعراق والمغرب، وقيل: إن أم المستنصر نفسها فرت إلى بغداد، وعظمت المسغبة بالعامة والخاصة
(283)
ولم ينج منها المستنصر نفسه الذي ال أمره إلى أن باع كل ما في قصره من ذخائر وتحف وثياب وأثاث وسلاح وخلافه، وصار يجلس على حصير ويضع في قدميه قبقاب من خشب أبيض من غير دهان ولا سير ويقتات من الصدقات
(284)
ويذكر المقريزي حادثة طريفة تبين ما ال إليه حال الناس في المجاعة، يقول فيها: إن امرأة من أرباب البيوتات أخذت عقدا لها قيمته ألف دينار، وعرضته على جماعة في أن يعطوها به دقيقا، وكل يعتذر إليها، ويدفعها عن نفسه، إلى أن رحمها بعض الناس وباعها به، وليس دقيق بمصر
(285)
وكانت تسكن بالقاهرة، فلما أخذته أعطت بعضه لمن يحميه من النهابة في الطريق، فلما وصلت إلى باب زويله، تسلمته من الحماة له ومشت قليلا به، فتكاثر الناس عليها وانتهبوه نهبا، فأخذت هي أيضا من الناس من الدقيق ملء يديها، لم ينبها غيره
(286)
ثم عجنته وشوته لما صار قرصة أخذتها معها وتوصلت إلى أحد أبواب القصر ووقفت على مكان مرتفع ورفعت القرصة على يدها بحيث يراها الناس، ونادت بأعلى صوتها:يا أهل القاهرة ادعوا لمولانا المستنصر الذي أسعد الله الناس بأيامه حتى تقومت على هذه القرصة بألفي دينار فلما اتصل به ذلك امتعض له
(287)
إلى هنا ورواية المقريزي لا غبار عليها، ويمكن قبولها، والتسليم بحدوث هذه الواقعة، فمثلها متوقع الحدوث في مجاعة خطيرة كالشدة المستنصرية، ولكن بقية رواية المقريزي هذه تحتاج إلى شيء من التدقيق والتمحيص
(288)
إذ يجعل المقريزي من غضب المستنصر لمقالة تلك المرأة سببا في تشديده على الوالي بضرورة تدارك الأزمة، وإلا أطاح برأسه، فاحتال هذا الوالي حتى جعل التجار يعمرون الأسواق، ويرخصون الأسعار، يقول المقريزي وأحضر الوالي وتهدده
(289)
وأقسم له بالله جلت قدرته أنه إن لم يظهر الخبز في الأسواق، وينحل السعر وإلا ضرب رقبته، وانتهب ماله، فخرج من بين يديه، وأخرج من الحبس قوما وجب عليهم القتل، وأفاض عليهم بثياب واسعة وعمائم مدورة وطيالس سابلة، وجمع تجار الغلة والخبازين والطحانين، وعقد مجلسا عظيما
(290)
وأمر بإحضار واحد من القوم، فدخل في هيئة عظيمة، حتى إذا مثل بين يديه، قال له:
ويلك ما كفى لك أنك خنت السلطان، واستوليت على مال الديوان إلى أن أخربت الأعمال ومحقت الغلال، فأدى ذلك إلى اختلال الدولة وهلاك الرعية، اضرب رقبته، فضربت في الحال، وتركه ملقيا بين يديه
(291)
ثم أمر بإحضار اخر منهم، فقال له: كيف جسرت على مخالفة الأمر لما نهي عن احتكار الغلة، وتماديت على ارتكاب ما نهيت عنه، إلى أن تشبه بك سواك، فهلك الناس اضرب رقبته، فضربت في الحال، واستدعى اخر، فقام إليه الحاضرون من التجار والطحانين والخبازين وقالوا :
(292)
أيها الأمير في بعض ما جرى كفاية ونحن نخرج الغلة وندير الطواحين ونعمر الأسواق بالخبز ونرخص الأسعار على الناس ونبيع الخبز رطلا بدرهم فقال: ما يقنع الناس منكم بهذا فقالوا: رطلين،فأجابهم بعد الصراعة ووفوا بالشرط وتدارك الله الخلق وسكنت الفتن وزرع الناس وتلاحق الخير وفرجت الكربة
(293)
على هذا النحو، وبتلك الحيلة أو التمثيلية البارعة وضع الوالي حدا للشدة المستنصرية، ولكننا لا نستطيع أن نجاري المقريزي، ولا نقول ما ذكر، ففضلا عن أن تلك الحيلة يصعب جوازها على التجار الذين كانوا يعرف بعضهم بعضا، وكانت لهم طوائف منظمة، ويرأسهم عرفاء وشيوخ
(294)
مما يجعلهم يدركون أن هؤلاء ليسوا منهم، وحتى إذا تجاوزنا عن هذا استنادا إلى أن الخوف قد يعمي الأبصار أحيانا فمن هو هذا الوالي الذي تهدده المستنصر وتوعده، وأي سلطة كانت قد بقيت للمستنصر حتى يهدد أو يتوعد
(295)
وهو الذي انتهى أمره إلى الجلوس على حصير وارتداء قبقاب بغير دهان ولا سير، ويستعطف رسول ناصر الدولة حتى بكى رسول ابن حمدان إشفاقا عليه وهل كان هذا الوالي الذي عالج الأزمة، وأرخص السعر نكرة حتى لا يذكر المقريزي اسمه، مع أنه من المعروف أن بدر الجمالي هو الذي عالج الأزمة
(296)
يقول ابن أبيك عن بدر الجمالي أنه دبر الأمور أحسن تدبير وأرخص الأسعار بعد طول مدة غلائها في تلك السنين الماضية، وذلك أنه نادى بإخراج الغلال وبيعها، وأخذ يهجم على كل من يبلغه أن عنده غلة خزين، فإذا وجد ذلك طلبه، وكشف عن ما يكفيه وجميع عائلته من تلك الغلة مدة سنة كاملة
(297)
ويأمر بالفاضل عنه، فيباع ويصب في العروض، فرخص السعر، وطابت نفوس الناس، ومشى الحال، وقويت الهيبة، وارتد المفسد، وأمنت الطرق، وسافرت التجار، وورد الجالب
(298)
وبهذه الخطوات العملية انحلت الأزمة، ورخص السعر، وليست على الإطلاق بتلك الحيلة الهزلية التي أشار إليها المقريزي، ويتضح في عبارة ابن أبيك وحتى في تمثيلية المقريزي أن حل الأزمة جاء نتيجة خطوات إدارية ولم يشر إلى وفاء النيل بعد طول قصور
(299)
مما يؤكد ما ذهبنا إليه من أن الشدة كانت وليدة عوامل بشرية أكثر من رجوعها إلى قصور النيل ومن الملاحظ أن في ضوء ما ذكره أبو المحاسن عن حالة النيل في السنوات التي أعقبت دخول بدر الجمالي مصر وعلاجه للشدة أن زيادة النيل في كثير من هذه السنين لم تزد على 16 ذراعا إلا بضعة أصابع
(300)😬
مثل سنة 468هـ التي كانت زيادة النيل فيها ستة عشرة ذراعا وأربعة عشر أصبعا وسنة 473هـ التي كانت زيادة النيل فيها ستة عشرة ذراعا وخمسة عشر أصبعا وهي مقادير للماء قريبة من مقادير الزيادة في زمن الشدة المستنصرية
(301)
ومع ذلك لم تصل إلينا أنباء عن حدوث مجاعات أو أزمات اقتصادية في سنة 468هـ أو في سنة 473هـ، ويرجع ذلك بطبيعة الحال إلى حسن تدابير بدر الجمالي، وهذا يؤكد مرة أخرى صحة ما ذهبنا إليه
يتـــــــــــبع
👇👇👇👇
(302)
الأزمات الاقتصادية في نهاية العصر الفاطمي
اختفت الأزمات الاقتصادية من مصر طيلة عهد بدر الجمالي، إلا أن شبح إحداها لاح في الأفق في سنة 479هـ؛ بسبب قصور النيل في هذه المرة، فلم يزد في هذه السنة حتى يوم النوروز القبطي عن ثلاثة عشر ذراعا، وست عشرة أصبعا، ثم نقص أصبعين فثمانية
(303)
ثم زاد في خامس توت ست أصابع فخرج الناس إلى الجبل للاستسقاء فزاد النيل حتى بلغ ثلاثة عشر ذراعا وتسع عشرة أصبعا ثم نقص سبع أصابع ثم زاد في عيد الصليب حتى صار على أربعة عشر ذراعا وخمس عشرة أصبعا ثم كان مبلغ زيادته في أول بابه خمسة عشر ذراعا وخمس أصابع
يتبع غدا ان شاء الله
👇👇
(304)
ثم زاد في خامس توت ست أصابع، فخرج الناس إلى الجبل للاستسقاء، فزاد النيل حتى بلغ ثلاثة عشر ذراعا، وتسع عشرة أصبعا، ثم نقص سبع أصابع، ثم زاد في عيد الصليب حتى صار على أربعة عشر ذراعا، وخمس عشرة أصبعا، ثم كان مبلغ زيادته في أول بابه خمسة عشر ذراعا وخمس أصابع
(305)
هذا التذبذب في زيادة النيل حتى بلغ بالكاد حد الكفاية قبل أوان انحطاطه بعشرين يوما فقط، كان كفيلا في الأوقات السابقة بإحداث أزمات اقتصادية خطيرة، لكن وجود الوزير بدر الجمالي على رأس الإدارة الفاطمية وحسن تدابيره، جعلنا لا نسمع شيئا عن أزمة وقعت في ذلك العام
(306)
وإذا كان النيل قد تقاصر في سنة 479هـ فإنه فعل عكس ذلك بعد عامين، ففي سنة 481هـ زاد النيل زيادة كبيرة حتى بلغ ثمانية عشر ذراعا وأربع أصابع ومع أن هذه الزيادة في رأينا ليست خطيرة
(307)
بعد تغير حد الوفاء وحد الاستبحار؛ نتيجة لارتفاع قاع النهر، إلا أن أبا المحاسن يذكر أن بلوغ النيل هذا الحد من الزيادة أدى إلى هلاك الزروع والغلات والمخازن من كثرة الماء.
(308)
المستعلي بالله
تولى الخلافة بعد وفاة أبيه المستنصر سنة 487هـ واستهلت خلافته بزلزال لم يسمع بمثله شدة وعنفا من قبل في مصر الإسلامية إذ بلغ اثنتي عشرة دفعة في يوم وليلة فأخرب الزلزال البلاد وقتل خلقا كثيرا، ثم تكررت موجة الزلازل في العام التالي 488هـ فكان فيه أيضا زلزلة عظيمة
(309)
وفي سنة 489هـ لم يزد ماء النيل عن ثلاثة عشر ذراعا وسبع عشرة أصبعا، فتقاصر بذلك عن حد الكفاية وأدى هذا بطبيعة الحال إلى أزمة اقتصادية خطيرة امتد تأثيرها للعام التالي 490هـ
(310)
فيذكر أنه كان فيه بمصر غلاء وجوع، ويبدو أن تلك الأزمة لم تنته تماما في الأعوام التالية؛ بسبب كثرة المهاجرين الشاميين إلى مصر فرارا من الصليبيين ومن الغلاء، الذي حل بالشام مع الحملة الصليبية الأولى
(311)
وفي خلافة الامر بأحكام الله الفاطمي ووزارة الأفضل بن بدر الجمالي وقع غلاء لم يحدد المقريزي سنة حدوثه، وإن كان السيوطي يشير إلى حدوثه في سنة 497هـ فيذكر أن القمح في هذا العام عز بمصر ثم هان ويعطينا المقريزي لهذا الغلاء وصفا أكثر إسهابا يقول فيه:
(312)
بلغ القمح فيه كل 100 إردب 130دينارا فتقدم الخليفة إلى القائد، أتى عبدالله بن فاتك الملقب بعد ذلك بالمأمون البطائحي أن يدبر الحال فختم على مخازن الغلات، وأحضر أربابها وخيرهم في أن تبقى غلاتهم تحت الختم إلى أن تصل الغلة الجديدة أو يفرج عنها وتباع 30 دينارا كل 100 إردب
(313)
فمن أجاب أفرج عنه وباع بالسعر المذكور، ومن لم يجب، أبقى الختم على حواصله، وقدر ما يحتاج إليه الناس في كل يوم من الغلة، وقدر الغلال التي أجاب التجار إلى بيعها بالسعر المعين وما تدعو إليه الحاجة بعد ذلك بيع من غلات الديوان على الطحانين بالسعر
(314)
فلم يزل الأمر على ذلك إلى أن دخلت الغلة الجديدة، فانحلت الأسعار واضطر أصحاب الغلة المخزونة إلى بيعه ا؛ خشية من السوس، فباعوها بالنذر اليسير، وندموا على ما فاتهم من البيع بالسعر الأول
(315)
وفي خلافة الحافظ لدين الله عبدالمجيد أكثر من أزمة اقتصادية وذكر المقريزي أولاها دون أن يحدد سنة حدوثها ولكنه ذكر أنها وقعت بين سنتي 531هـ - 532هـ، ويصف المقريزي هذه الأزمة بأنها غلاء شنيع وقحط ذريع إلا أنه لم يستمر فإن الأفضل المذكور كان قد ركب إلى الجامع العتيق بمصر
(316)
وأحضر كل من يتعلق به ذكر الغلة وأدب جماعة من المحتكرين ومن يزيد في الأسعار، ووظف عليهم القيام بما يحتاج إليه في كل يوم، وباشر الأمر بنفسه، وأخذ فيه بالحد، فلم يسع أحد خلافه، ولم يزل الحال كذلك إلى أن من الله تعالى بالرخاء، وكشف عن الناس ما نزل بهم من البلاء
(317)
ويذكر السيوطي أنه في سنة 518هـ عز السعر ثم هان لكن سنة 536هـ شهدت أزمة أكثر خطورة من سابقتها يصفها لنا ابن ميسر فيقول: وفي شعبان غلت الأسعار، وعدم القمح والشعير، فبلغ القمح تسعين درهما الإردب، والدقيق مائة وخمسين الحملة، والخبز ثلاثة أرطال بدرهم، والشعير بسبعة دراهم الويبة
(318)
والزيت الطيب الرطل بثلاثة دراهم، والجبن كل رطل بدرهمين، والبيض كل مائة بعشرة دراهم، والزيت الحار الرطل بدرهم ونصف، والقلقاس كل رطل بدرهم، والدجاج والفراريج لا يقدر على شيء منها
(319)
وفي خلافة الفائز بنصر الله في سنة 549هـ، وقع غلاء بوزارة الصالح طلائع بن رزيك الذي وزر للفائز منذ 19 ربيع الأول من ذلك العام ويصف المقريزي هذا الغلاء فيقول: بلغ فيه الإردب خمسة دنانير؛ لقصور ماء النيل عن الوفاء، وكان بالأهراء من الغلات ما لا يحصى
(320)
فأخرج جملة كثيرة من الغلال وفرقهاعلى الطحانين وأرخص أسعارها ومنع من احتكارها وأمر الناس ببيع الموجود منها، وتصدق على جماعة من الفقراء والمتجملين وتصدق الأمراء وذوو الجاه واليسار بما نفس عن الناس ما هم فيه من بلاء، وسرعان ما انحلت الأزمة وهجم الرخاء
(321)
وفي خلافة العاضد بالله اخر خلفاء الفاطميين ساءت أحوال الفاطميين بعد ان قتل بن رزيك والذي أثبت قدرته في إدارة شؤون الدولة الفاطمية، فلما قتل وقع الصراع الشهير بين شاور وضرغام على السلطة فأصبحت مصر ميدانا للتدخل الصليبي
(322)
والذي أدى إلى تدخل نور الدين محمود بدوره لدفع الصليبين عن الاستيلاء على مصر فوقعت معارك وحروب كان لها بلا ريب أسوأ الأثر على أحوال البلاد الاقتصادية ووقعت الفسطاط فريسة هذا الصراع؛ إذ تخرجت على يد شاور الذي أمر بإحراقها؛ كيلا تقع في أيدي الصليبيين
(323)
لذلك لا نستبعد معاناة البلاد من أزمة اقتصادية مزمنة في ظل هذه الأحوال السياسية المتردية وربما يفسر لنا هذا رضاء الناس بسقوط الدولة الفاطمية على يد صلاح الدين الأيوبي وارتياحهم لهذا المصير الذي الت إليه حتى قيل: إنه لم ينتطح في سقوطها عنزان 😄 على حد تعبير ابن الأثير
(324)
النهاية ... وعن الاوبئة حدث ولا حرج
أما عن الأوبئة في العصر الفاطمي، وعن كثرتها وقسوتها، فحدث ولا حرج، ومن قبيل التكرار القول بأن الأوبئة والطواعين كانت تهدد القوى البشرية المنتجة، فتتعطل الزراعات والصناعات، وغيرها من الأعمال؛ مما يؤدي إلى أزمات اقتصادية خطيرة
(325)
وإذا تتبعنا تلك الأوبئة التي عانتها مصر الفاطمية لوجدنا أن أولاها قد سارع إلى القاهرة، ولم يمض على بدء اختطاطها إلا عام وبضعة أشهر، ففي المحرم من سنة 360هـ اشتد الوباء والأمراض بالقاهرة وكأنه كان نذيرا بما سجل بالعصر الفاطمي من أوبئة كثيرة
(326)
وجاء هذا الوباء في أعقاب الغلاء المضطرم، والذي امتد بين عصرين، فبدأ في أواخر العصر الإخشيدي، واستمر حتى مطلع العصر الفاطمي، وبلغ مد الوباء درجة كبيرة من العنف، فكثر الموت، حتى عجز الناس عن تكفين الأموات ودفنهم، فكانوا يطرحون موتاهم في النيل
(327)
ولا شك أن اقتراف الناس لتلك الخطيئة في حق موتاهم كان يعود عليهم بمزيد من البلاء فقد أدى ذلك بطبيعة الحال إلى انتقال العدوى وتفشي الوباء وفي خلافة العزيز بالله الفاطمي أعقب الغلاء سنة 372 وباء شديد بمصر أفنى خلقا كثيرا لا يحصى عددهم واستمر هذا الوباء متفشيا حتى العام التالي
(328)
وفي خلافة الحاكم بأمر الله أعقب الغلاء وباء في سنة 398هـ وقد أفنى هذا الوباء كثيرا من أهل مصر واستمر تفشيه حتى اخر سنة 399هـ فتزايدت الأمراض وعزت الأدوية وكثر الموت
(329)
وفي خلافة الظاهر لإعزاز دين الله الفاطمي فشت الأمراض وكثر الموت في الناس في سنة 415هـ وانشغل الناس بما هم فيه من وباء عن الاحتفال بليلة الميلاد، وتواتر الوباء والموت، حتى لم يكن يخلو منزل واحد من عدد من المرضى، وأوجاع الدم والخلوق
(330)
وامتد الوباء إلى الواحات سنة 417هـ فحل بأهلها جدري عظيم، مات به خلق كثير من أهلها ثم ثار بأهل مصر رعاف عظيم في العام نفسه واختتمت خلافة الظاهر بوباء اخر حل بمصر سنة 426هـ لم يعش الظاهر بعده طويلا إذ توفي في نصف شعبان سنة 427هـ
(331)
أما في خلافة المستنصر😬 فقد كثرت الأوبئة على نحو يتناسب مع كثرة الأزمات الاقتصادية في عصره؛ ففي سنة 433هـ كان بمصر وباء توفي فيه جماعة من الأشراف وفي سنة 446هـ أعقب الغلاء وباء عنيف فكثر الموت في الناس ثم اشتد عنفه في سنة 447هـ
(332)
وقيل: إن المواريث مال جزيل لكثرة من توفي دون وريث واستمر الوباء في سنة 448هـ على نحو لم يعهد من قبل، وزاد في عنفه أنه عم أمصار الشام والعراق ومصر فكان المسافرون بين هذه الأمصار يزيدون الوباء تفشيا بما ينقلونه من عدوى
(333)
وفي سنة 450هـ بدأت موجة أخرى من الوباء، فاشتد بمصر حتى كان يموت في كل يوم ما يحصيه ديوان المواريث نحو عشرة الاف، غير من لا يعرفون من الموتى من صعاليك الناس وتفاقم الوباء في العام التالي سنة 451هـ حتى أفنى ثلثي أهل مصر على حد تقدير ابن إياس
(334)
وبارت الأراضي لعدم من يزرعها من الرجال وخرج الجند يحرثون ويزرعون لعدم الفلاحين وقيل: إن الرجل كان يمشي من جامع ابن طولون إلى باب زويلة فلا يقابله إنسان واحد يمشي في الأسواق ( تقريبا 3كم )
(335)
وفي سنة 455هـ تفشى طاعون عظيم بمصر وقراها، فكان يموت في كل يوم ألف إنسان على مدى عشرة أشهر وامتدت هذه الموجة عام 457هـ التي أعقب غلاءها وباء شديد، حتى تعطلت الأرض الزراعية؛ لكثرة من مات فيه
(336)
وشهدت الستينيات من القرن الخامس الهجري موجة أخرى من الوباء ففي سنة 461هـ كثر الوخم والوباء بمصر، وابتلي الناس بالتخم في حلوقهم، فكانوا يموتون به واشتد الوباء في العام التالي بالقاهرة والفسطاط
(337)
حتى إنه كان يموت الواحد من أهل البيت، فلا يمضي اليوم أو الليلة إلا ويموت جميع من فيه وحدث وباء مماثل في سنة 465هـ فيه كان أهل البيت الواحد يموتون أيضا في ليلة واحدة وفي سنة 475هـ، امتد الطاعون من بغداد إلى مصر وماو إلا هما، فمات فيه خلق كثير
(338)
وجاءت التسعينيات لتشهد موجة جديدة من الأوبئة استمرت عدة سنوات، ففي سنة 490هـ حدث الوباء في أعقاب غلاء هذا العام ثم امتد إلى العام التالي، فمات خلق كثير وفي سنة 493هـ عم أكثر البلاد، فهلك بمصر عالم عظيم
(439)
ولما حل القرن السادس الهجري، شهدت الدولة الفاطمية قبل سقوطها عدة أوبئة، ففي سنة 515هـ هبت ريح سوداء على مصر، واستمرت ثلاثة أيام، فأهلكت خلقا كثيرا من الناس والدواب والأنعام ولا بد أنها أتلفت المزروعات والمحاصيل، ثم حدث وباء في سنة 536هـ كثر فيه الموت... (تم)
هكذا كانت الأوبئة في مصر الفاطمية، ولعلنا نلاحظ تناسبها مع الأزمات الاقتصادية كثرة وقلة، وكيف لا، وقد كانت الأوبئة سببا ونتيجة للأزمات الاقتصادية، يؤدي حدوثها إلى أزمات اقتصادية، وكثيرا ما ينتج عن الأزمات الاقتصادية أوبئة وأمراض كثيرة؟
ولقد كان للأزمات الاقتصادية والأوبئة اثار خطيرة على كافة المستويات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية في العصر الفاطمي؛ فعلى المستوى السياسي، أضعفت من هيبة الدولة الفاطمية وخلفائها الأواخر، وشغلتهم عن العناية بأمر الدعوة الإسماعيلية، وأدت إلى ثورات المصريين في أحيان كثيرة
كما أدت إلى تعاظم سلطة الوزراء بعد بدر الجمالي، الذي كان أول وزراء التفويض الذين استبدوا بالسلطة من دون الخلفاء الفاطميين؛ مما جعل الوزارة منصبا جديرا بالتنافس عليه، هذا التنافس الذي كان وبالا على الخلافة الفاطمية، وأودى بها في النهاية إلى الهاوية
وعلى الصعيد الاقتصادي، رأينا تغييرا في المكاييل المصرية، وتعطل الزراعة في كثير من الأوقات؛ مما أثر على الاقتصاد الفاطمي في أواخر الدولة الفاطمية؛ بل إننا وجدنا ابن ميسر يشير إلى سعر الأردب من القمح بالدراهم في خلافة الحافظ عبدالمجيد
ربما يحدث حاليا بعد ازمة المياه
ولو وجدنا شاهدا اخر لربما استنتجنا تحولا في النقود المصرية، لكننا مع ذلك نستطيع أن نقول: إن الاقتصاد الفاطمي تدهور تدهورا شديدا في أخريات العصر الفاطمي، وهذا يفسر ارتياح المصريين لسقوط الدولة الفاطمية كتدهور حال مصر الان تحت قيادة ذاك الاجرب الذي يحكمنا
وعلى الصعيد الاجتماعي أفنت الأزمات والأوبئة خلقا كثيرا من أهل مصر وفضلا عن تأثير هذا التناقص المروع في السكان في الناحية الاقتصادية فقد أدى إلى نتائج اجتماعية خطيرة فانهارت القيم والأخلاق وكثرت حوادث السلب والنهب والاعتداء على النساء في الشوارع كما يحدث في عهد الطاغية السيسي
أن الأزمات الاقتصادية والأوبئة على كثرة شرورها لم تخل من فائدة فقدحفزت الهمم لكيفية التغلب عليها وكان البحث العلمي أحد السبل لتحقيق ذلك ففكر الحسن بن الهيثم نزيل مصر زمن الحاكم بأمر الله في إقامة سد لتخزين مياه النيل عند الجنادل الواقعة قبلي مدينة أسوان (السد العالى )
ولكن إمكانياته لم تسمح حينذاك بتنفيذ هذا المشروع العظيم ونشط الأطباء لعلاج الأمراض، والوقاية من الأوبئة، من هؤلاء الطبيب محمد بن أحمد بن سعيد التميمي المقدسي، الذي عاش في العصريين الإخشيدي والفاطمي
وكان مختصا بخدمة الحسن بن عبيدالله بن طغج وعمل له عدة معاجين ولخالخ طبية دافعة للأوبئة، ثم صحب الوزير يعقوب بن كلس، وزير المعز والعزيز، وصنف له كتابا كبيرا في عدة مجلدات، سماه: "مادة البقاء، بإصلاح فساد الهواء، والتحرز من ضرر الوباء"، وعاش التميمي هذا إلى حدود سنة 370هـ
أن مصر لم تكن فريدة في باب الأزمات الاقتصادية والأوبئة في هذا العصر ولا تقلل هذه الأزمات من قدراتها الاقتصادية ورخائها بل إن رخاءها كان سببا في تناقل الألسنة لأخبار تلك الأزمات على سبيل التعجب من وقوعها في مصر التي لها قدر عظيم من الرخاء
(جزي الله خيرا كل من دعم وقرأ تلك السطور)

جاري تحميل الاقتراحات...